الرئيسية / home slide / الفتى الإيزيدي عيد واليهودي عازار جمعتهما القامشلي وفرقتهما

الفتى الإيزيدي عيد واليهودي عازار جمعتهما القامشلي وفرقتهما

الروائي الكردي نزار آغري يسترجع صور ماض بأحلامه وخيباته

لنا عبد الرحمن 
 الخميس 1 أبريل 2021 15:50
https://www.independentarabia.com/node/208161

لوحة للرسام عصام درويش (صفحة الرسام على فيسبوك)

تشكل مدينة “القامشلي” بكل صخبها وتنوعها في الأعراق والأديان والعادات والتقاليد المكان المحوري في رواية “البحث عن عازار” (الكتب خانة – القاهرة) للكاتب السوري الكردي نزار آغري. إنها مدينة ليس لها حضور كبير في الروايات العربية، لذا تبدو الرواية التي بين أيدينا دليلاً كاشفاً لمدينة غامضة إبداعياً، وإلى جانب هذا فقد اختار الكاتب أبطاله كي يجسدوا هذا التنوع الذي تتسم به القامشلي.

تبدأ الرواية مع عيد كوري، الذي يطلب من ابنته أن تبحث له عبر الإنترنت عن صديقه “عازار” الصبي اليهودي الذي جاء إلى مدرسته وهو في الثالثة عشرة من عمره، ومنذ اللحظات الأولى لجلوس عازار بالقرب منه يتحول انتباه عيد إلى زميله الجديد لحد أنه يصف شعوره في اليوم الأول لتعارفهما، بأنه عرف أنهما سيصبحان صديقين وإلى الأبد. بل إن تورطه في هذه الصداقة وولعه بعازار غدا هو العالم الأنقى والأجمل بالنسبة له، ويتحدث مطولاً عن تلك الصداقة. ولا يقف الأمر عند الصداقة مع عازار، بل يتورط عيد أيضاً في حب أخته إيفون، لنقرأ: “كنت أتحدث معها وخيالي مشدود إلى خطوات عازار التي أترقبها بشغف فأجد نفسي حائراً بين أن أتمسك بها أو أن أتخلى عنها كي أهيء نفسي لاستقبال عازار. أحبها وأحبه، أعشقها وأعشقه، أشتاق إليها، وأشتاق إليه. أنا ضائع بينهما، وأحب هذا الضياع”.

شخصية اليهودي

اختار الكاتب أسلوب المخاطب، موجهاً كلامه للبطل الحاضر الغائب على مدار الرواية “عازار”، الذي سكن القامشلي مع أسرته ثم رحل عنها. لا يتورط الكاتب في شرح أسباب رحيل عازار وإن بدت مفهومة ضمناً، إذ تنتمي هذه الرواية إلى مجموعة من الروايات التي تعيد تقديم شخصية اليهودي، كما في رواية “اليهودي الحالي” لعلي المقري، و”اليهودي الأخير” لعبد الجبار ناصر، و”صديقتي اليهودية” لصبحي الفحماوي، و”يوميات يهودي في دمشق” لإبراهيم الجبين وغيرها من الروايات. ولعل حضور الشخصية اليهودية ليس جديداً في الأدب العربي، إلا أن الجديد هو طبيعة تناول الشخصية اليهودية؛ ففي هذا العمل “البحث عن عازار” يصل إلى حالة من التقديس لشخصية عازار، ونزع الصفات البشرية عنه، على رغم أن حضور عازار في حياة عيد لم يتجاوز عامين، في حين استمر الفراق لأربعين عاماً، من هنا تبدو الهالة المرسومة حول شخصية عازار، ثابتة عند زمن الوعي الذي اختلطت فيه سنوات المراهقة والصبا من دون مبرر كاف لذلك.

رواية نزار أغري (دار الكتب خانة)

ينتمي عيد البطل السارد إلى الديانة الإيزيدية، ويبدو هذا الانتماء مُعبراً عن الأعراق والأقليات التي سكنت تلك المنطقة من بلاد الشام، الأرض الممتدة بين سوريا والعراق وتركيا، وسكنها الآشوريون والأكراد والإيزيديون، والأرمن والأتراك، وغيرهم. ومع خصوصية كل جماعة منهم تحضر القواسم المشتركة الجغرافية والبيئية والاجتماعية التي ألفت بين تنوعاتهم المتعددة، وجمعت بينهم في مجتمع واحد. يصف البطل القامشلي بأنها أكبر من “عامودا” وأصغر من “ماردين”، يقول: “جاء السريان والآشوريون والكلدان والأرمن وأصلحوا الأرض وسووا التراب وأقاموا بيوتهم واستقروا. لم أكن أعرف أن هؤلاء أنشأوا بلدة جميلة مثل قنينة عطر، وأنهم أقاموا الدور والقصور والدكاكين والمحال التجارية والمسارح ودور السينما… ثم جاء إليها الكرد والعرب، فصارت مثل بابل. بابل صغيرة من اللغات واللهجات والسحنات والعادات والأغاني والرقصات والأزياء”.

الذاكرة والحنين

يعود الجزء الأول من الرواية إلى الماضي، إلى سنوات السبعينيات، يبرع الكاتب في الغوص بالأمس واستعادة تفاصيله الدقيقة، من خلال وصف المدينة وشوارعها وأزقتها وأحيائها، وناسها وعاداتهم وتقاليدهم وأطعمتهم ومشاربهم، إلى جانب الأغاني والموسيقى العربية والكردية التي كانت منتشرة في تلك الحقبة. يحكي البطل السارد عيد عن أيام أشرطة الكاسيت، وفيلم “خلي بالك من زوزو” وأمسيات الذهاب للسينما، وتبادل كلمات أغنيات عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، التي تدل على الحب، بحيث تجسد كل تلك التفاصيل، المنتمية إلى سنوات مضت، قبة زمنية معينة، تلاشت ولم يبق منها إلا الظلال. لكنها تشغل بال عيد وتبدو حية في داخله، يرغب في استحضارها بشدة، ليس لأنها ترتبط بأيامه مع عازار فقط، بل لأنها جزء من ماضيه ككل الذي يرويه بأسلوب تشوبه حالة من الشجن، والإدراك العميق بأن كل هذا الحنين للماضي لصيق الذاكرة فقط، ولا سبيل لعودته فقد تلاشى مع غياب عازار، ومع التحولات السياسية، والجغرافية، والتاريخية التي طالت المكان والزمان. لنقرأ: “الأماكن بحد ذاتها لا تعني شيئاً إلا بعلاقتها بالناس. بما تخنزنه من ذكرى، بما تنطوي عليه من معنى في حياتهم، الذاكرة تنهض من مكان ليست هناك ذاكرة من دون مكان، والأماكن تعني لنا الشيء الكثير حين نراها برفقة من نحب، وقد رأيت كل شيء برفقتك يا عازار”.

الكاتب نزار أغري (دار نوفل)

تمتد رحلة عيد في بحثه عن عازار، على مدار عمره، كان متيقناً أنه سيجده يوماً. يتلقى القارئ هذا الانشغال بالصداقة الحميمة هذه، من دون الكشف عن عازار الغائب، الذي لا تحضر صورته إلا في عمر الطفولة. وها هو الزمن يركض بهما، ويتجاوز عيد عامه الخمسين، ويمتد الفراق بينهما لأكثر من أربعين عاماً، لكن ذكرى عازار، وإصرار عيد في العثور عليه لم يخبو أبداً.

بيوت ومدن

ينشغل الراوي في الجزء الثاني من النص، في الحديث عن ارتحالاته في البلدان والبيوت، وانضمامه للثورة الفلسطينية، ويتحدث عن أماكن ووقائع حقيقة في لبنان، ثم يوجه نقده اللاذع للثورة الفلسطينية بعد انتقاله إلى لبنان وانضمامه لأحد الفصائل المسلحة منها. وهذا ما يضع الرواية موضع تساؤل حول الخطاب المباشر في تسليط الضوء على سلبيات مرحلة انتمائه للفدائيين، الذي بدا غير مبرر فنياً، أيضاً في الحديث عن أسماء مثقفين لبنانيين حقيقيين في نص من المفترض أنه تخييلي، يقول: “نجلس في مقهى الديماسي، الذي يرتاده المثقفون، هناك تعرفت إلى صحافيين جنوبيين مثل عباس بيضون وعماد الحر وبلال خبيز وحازم الأمين ويحيى جابر وغيرهم”.

وفي الجزء الثاني من الرواية نجد قفزات زمنية، نستنتج منها حدوث تحولات كبرى في حياته، كأن يهاجر إلى النروج، ويقيم فيها لسنوات طويلة، إذ إن العمل يشغل زمناً يقارب الخمسين عاماً. لذا كان التلميح لما يحدث من تحولات نفسية وفكرية خلال هذه السنوات، من دون التشعب في تفاصيلها. وإن بدا السرد أكثر إخلاصاً للزمن الماضي في الجزء الأول، على رغم ما فيه من مشاهد طويلة في بعض الأجزاء.

يؤكد المقطع الأخير من الرواية، الذي تلا مشهد اللقاء مع عازار، على فكرة الرغبة بالثبات عند زمن مضى، فكل شيء تغير من وجهة نظر البطل، الدول، البلدان، الحكومات، الأفكار: “لكننا ما زلنا في عيني واحدنا والآخر، ما كنا عليه يوم التقينا للمرة الأولى في مدرسة زكي الأرسوزي بالقامشلي، أنت الفتى اليهودي الهادئ، وأنا صديقك الإيزيدي الذي ما زال يحبك، مثلما أحبك في اللحظة الأولى من لقاءنا”.

تجدر الإشارة أيضاً إلى اللغة الشفيفة المبنية على تدفق وتيرة من العاطفة والشجن والبوح، عزز منها الارتكاز على بعض العبارات الصوفية، والأشعار والأغنيات، بحيث تنصهر معاً لتشكل حالة التماس مستمر لجنة مفقودة.