الـ 130000 صاروخ لإسرائيل… وتبقى “الحكمة” في الداخل

لا شكّ في أن الوضع السائد في المنطقة، في ضوء عدم انحسام المعركة بين محور “المقاومة والممانعة” وشريكته روسيّا لا حليفته من جهة وأعدائه المتنوّعين من عرب ومسلمين وأميركيّين وغيرهم من جهة أخرى، لن يُسهّل وصول الحرب على الفساد الطاغي على البلاد التي بدأها رسميّاً “حزب الله” بعد تأليف الحكومة إلى نهاية إيجايبّة، وذلك رغم إدّعاء حلفائه وأخصامه ورابطي النزاع معه وشركائه في “التسوية” عبر هؤلاء الحلفاء أنّهم شركاء حقيقيّون وجدّيون في هذه المعركة. وقد ظهر ذلك واضحاً عندما بدأ “الحزب” حربه بالـ 11 مليار دولار أميركي التي دار ولا يزال يدور حولها لغطٌ، جرّاء اقتناعه واقتناع حليفه “التيّار الوطني الحر” بأن اختفاءها أو عدم توافر كل المستندات المتعلّقة بأوجه صرفها وبأن قسماً مُهمّاً منها “طار وغطّ” في جيوب الفاسدين ومصارفهم في الداخل والخارج. وظهرت ملامح عقارية متنوّعة له في لبنان. وظهر واضحاً أيضاً أن المستهدف بذلك هو فؤاد السنيورة الذي شغل منصبَي وزير المال بالوكالة أوّلاً ثمّ بالأصالة وبعده منصب رئيس الحكومة ومجلس الوزراء. طبعاً نفى “الحزب” أن يكون شخص بذاته أو “تيّار” مُحدّد هو المستهدف. لكن ردّ فعل السنيورة ثمّ “تيّار المستقبل” فرئيسه سعد الحريري، واعتبار مفتي الجمهوريّة الشيخ الدكتور دريان إيّاه خطّاً أحمر بعد زيارته السرايا الحكوميّة، ورجل دولة من طراز رفيع بل رجل الدولة الأبرز، لكن ذلك كلّه أكّد صعوبة نجاح الحرب الشاملة على الفساد، وأكّد اعتبار غالبيّة السُنّة في لبنان وحلفائها من طوائف ومذاهب أخرى انها تستهدفهم لا بل أنّها متابعة للحرب التي يخوضها الحزب و”محوره الإقليمي” في سوريا، كما أن الهدف منها هو تكريس وضعه لاعباً أوّلاً في البلاد بفعل الأمر الواقع وليس بفعل تغيير النظام والدستور. أوّلاً لأن الظرف الحالي ليس مناسباً لذلك، وثانياً لأن الهدف هو تثبيت فوز “المحور” نفسه بلبنان قبل تثبيت فوز الرئيس بشّار الأسد ببقاء نظامه على ما هو تقريباً وذلك تحوّطاً للمستقبل. إذ لا يعرف أحد، بعد دخول سوريا مرحلة جديدة في حرب لم تنتهِ بعد، مصيرها نظاماً وسياسة واستراتيجيا… وهذا الواقع لن يقتصر على السُنّة. ذلك أن الفساد في حال ثبوته سواء على السنيورة أو على من دونه رتبة وموقعاً وتأثيراً لا بُدّ أن تنتقل الحرب عليه إلى طوائف ومذاهب أخرى فيها أيضاً فاسدون على كل المستويات. وبعض هؤلاء حلفاء لـ”حزب الله” مُعْلِن الحرب على هذه الآفة الخطيرة. وهي قطعاً لن تستسلم وستعتبرها حرباً على وجودها ومصيرها في البلاد أو على دورها فيه على الأقل. والشعب “الغفور” سينقاد كل مرّة بالغرائز ويهبّ للدفاع عن الذين يشتمهم ليل نهار ويحمّلهم مسؤوليّة وقوف الوطن ودولته على عتبة الانهيار، لأن الولاء عند أبنائه لم يكن أبداً للوطن والدولة بل للدين والطائفة والمذهب وتحديداً للزعامات الشعبويّة في كل منها. طبعاً لا يعني ذلك أن الحرب على الفساد ستكون فاشلة مئة في المئة، لكن نجاحها سيكون جزئيّاً لا بل جزئيّاً جدّاً إذ سيُكتشف فاسدون في الإدارات والأسلاك الرسميّة على تنوّعها وفي مجتمعات المهن الحرّة، وربّما تكون أحجام عدد من هؤلاء مُهمّة إلى حدّ، وسيرضي ذلك الرأي العام ويدفعه إلى التصفيق لـ”الحزب” والحكومة “المُشلّعة” ومجلس النوّاب التي هي مجسّم مصغّر له وكذلك رئاسة الدولة. علماً أن ملاحقة “السمكات” السياسيّة الكبيرة المُتّهمة نظريّاً حتّى الآن بالفساد ستستمر. وربّما يجد نفسه الرئيس السنيورة مدعوّاً إلى التحقيق على نحو مُنتظم ولاحقاً إلى محاكمة. لكن خاتمة هذا الأمر لا يُرجّح أن تكون مُربحة قضائيّاً لـ”شاهر سيف النقمة” على الفساد أو لشاهريه للأسباب المشروحة أعلاه. لكنّها قد تكون مربحة سياسيّاً إذ قد يجد السنيورة نفسه مضطرّاً إلى الابتعاد عن السياسية، وفي ذلك راحة لـ”الحزب” ومحوره لأنّه الأكثر صلابة ضدّهما والأكثر “احتراماً” في “تيّار المستقبل” وعند غالبيّة السُنّة. وربّما يكون فيه أيضاً راحة لمن يخشون منافسته على ساحتهم. وبذلك تكون نفّذت سياسة: لا قدرة لادانته لكن القدرة على تلطيخ سمعته وتشوية صورته جديّاً متوافرة جدّاً. وذلك كافٍ لابعاده عن الساحة.

انطلاقاً من ذلك كلّه تقول شخصيّات على صلة بـ”حزب الله” وإن من “اتّجاهات أخرى” أن الـ 130000 صاروخ التي تحسب لها إسرائيل وحلفاؤها ألف حساب لا يمكن صرفها في الداخل اللبناني ومعاركه السياسيّة. والدليل ما جرى في مجلس النوّاب أثناء مناقشة البيان الوزاري لحكومة “إلى العمل” تمهيداً لمنحها الثقة. إذ اضطرّ، عندما حصل جدال بين النائب سامي الجميل رئيس الكتائب ونائب “الحزب” نوّاف الموسوي تدخّل فيه ابن عمّ الأوّل نديم، إلى تقديم نوع من الاعتذار للطريقة التي تكلّم بها ممثّله وطلب شطب ما قيل من محضر الجلسة. وهنا لم تدفعه صواريخه الـ 130000 إلى التصرّف برعونة أوّلاً لأن قيادته تحلّت دائماً بالحكمة والشجاعة، وثانياً لأن استعمالها في المجلس أو في الداخل اللبناني مستحيل وغير مرغوب فيه إلّا في حال “الحرب الأهليّة” الطائفيّة لا سمح الله. ولا أحد في هذا الوارد من “شعوب” لبنان. طبعاً لا يعني ذلك أن “الحزب” وشعبه بواسطته ليس صاحب النفوذ الأكبر والوجود الأفعل في مؤسّسات الدولة ومجتمعاتها المتنوّعة، وليس قادراً على ممارسة سياسة “الأمر لي” صراحة إذا اضطرّ إلى ذلك، بل يعني إدراكاً في تلك اللحظة أنّه ليس في وارد خسارة حليفه المسيحي الأقوى الذي اعتبر ولا يزال يعتبر الرئيس بشير الجميّل شهيداً له، والذي عبّر نوّاب له عن ذلك.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*