الرئيسية / مقالات / الـ”سُنّة، سُنّة”… فيلم محروق لاغتيال انتفاضة طرابلس

الـ”سُنّة، سُنّة”… فيلم محروق لاغتيال انتفاضة طرابلس

من مسيرات طرابلس (إسبر ملحم).

يُتّضح أنّ “التراند” الثّوريّ في “#كلّن_يعني_كلّن، أنتج خلال شهرين تراندًا معاكسًا جاء في “شيعة، شيعة” في بيروت، وآخر جديد في طرابلس لا يعاكسه إنما يرشح من المحاولة الفتنوية نفسها في هتاف “سنّة، سنة” الّذي أطلقه بضعة مخربّين قاموا بحرق شجرة الميلاد أمام مستشفى النّيني، وقبل أن تتوجّه المجموعة نفسها إلى منزل مفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار وتكسّر كشك حرّاس أمنه. حلقة أخرى من فصول تتسارع وتتكثف أخيراً لإثارة النعرات، لحقت بفيديو مسيء لأهل البيت انتشر قبل يومٍ، بـ”بطولة” شاب من ميناء طرابلس.

الفتنة تحاول تبنّي الانتفاضة

شيعة وسنّة يهتفون للطائفة؟ لكن مهلًا، بالرغم من تطابق الشّعارين، إلّا أنّ توظيف نسخته السنّية في طرابلس يتّخذ أبعادًا أكثر كيديّة، تتناسل ليس فقط من معاكسة الانتفاضة، وهو هدف بديهي، بل أيضًا وعلى نحو جديد، يحاول هذا الهتاف تجيير أهداف الانتفاضة نحو اتّجاه طائفيّ لإصابتها في صميمها. فصنّاع الفتنة، المتمسّكون بسلطتهم السياسية الّتي يثبتها اللعب على أوتار الفتنة بعد تربيتها والتربية عليها وإيقاظها، لا يكتفون بالمجاهرة بتمسّكهم بسياسة “قالب الجبنة” الطائفي، الّذي ترجمه إحراق شجرة الميلاد، بل ها هُم اليوم يحاولون دسّ أتباعهم ليتظاهروا بأنّهم ثوّار، وممّن يتبنّون أيضًا انتفاضة 17 تشرين الأوّل ضدّ “رجال الدّين”، حسبما يقرأه المفهوم الشعبوي، ومن هذا التعويم، حاول هؤلاء التّسلّل إلى قلب المشهد ليظهروا بأنّهم ضدّ رجال الدّين. إنّما في الواقع، ثورة 17 تشرين الأول ليست ضدّ الأديان ولا ضدّ وجود دُعاته، بل هي تحاول إرساء العلمانية بما تفرضها عدم تدخّل رجال الدّين بالسياسة. إذًا، حاولت تلك المجموعة ذرّ الرّماد في فضاء الانتفاضة، لاختلاق فوضى غير خلّاقة، ليس فقط في أمن طرابلس بل فوضى في المفاهيم.

فطرابلس لم تصرخ “سنّة سنّة” بعد استقالة الحريري، ولا بعد تنحّي محمّد الصّفدي، ولا بعدما اقتيد ربيع الزين للتحقيق معه، وهو أحد نشطائها (بصرف النّظر عن الانقسام حول ملفّه)، ولا بعدما ضرب الأمن ابنَيها الناشطين رائد الناغي وعلاء حسين في وسط بيروت ضربًا مبرحًا دخلا على إثره المستشفى. ببساطة، لا تتساوى، إنّما تتضادّ زمرة هزيلة تخرّب، وصرخات تدوّيها عن “دمّ سنّي عم يغلي”، مع سنّة من طرابلس يتجاوزونهم عددًا بعشرات الأضعاف، يرددون “لا للطائفيّة”، و”سلميّة”، ولم يسكتهم أي حدث قد يستفزّ سنّيّتهم.

إنّ أدوات المنظومة السياسية الفاسدة تعرف وتستغلّ معادلة الشّواذ الّذي يشكّك بالعموم، وقد يفوقه حضورًا. وفي موقع طرابلس وموقفها من الانتفاضة، تنسحب هذه المعادلة على فستان العروس الأبيض، والّذي كيفما أبهر ببياضه، وكلّما أبهر ببياضه، وأيّما haute couture ثوريّ خاطه، نقطة سوداء واحدة على الفستان ستشيح الأنظار عن كلّ هذا البياض وتضع المدينة أمام استفهامات تُسائل أهليتها باللقب!

لا عيد ميلاد، بل أعياد للميلاد في طرابلس

زاوجتْ في العبث الأخير الفتنة بين سنّيّ- مسيحيّ وسنّيّ-شيعيّ، الأمر الّذي حفّز موجة عظيمة من ردّ فعل المضادّ من نشطاء الانتفاضة الغيورين على طرابلس وعلى صيت انتفاضتها، جاء منها على لسان مسؤول “حرّاس المدينة” أبو محمود شوك: “فشرتوا ترجّعونا لورا”، وطالب باللجوء إلى كاميرات المراقبة للقبض على محرقي الشجرة. وكتب الناشط طه ناجي: “نحن في السلطة أو خذوا حربًا طائفية وانهيارًا اقتصاديًا”، هي المعادلة التي أوصلت تحالف مجرمي الحرب وسماسرة رأس المال إلى سدّة الحكم في نظام ما بعد الحرب الأهلية. هي المعادلة التي تحمي وجودهم اليوم، لذا يتفانون في سبيل إرسائها، ويتفنّنون في ابتزاز الشّعب اللبناني بها.

لكن قبل وقوع هذه الأحداث، طرابلس كانت تحتفل ولا تزال بعيد الميلاد المسيحي، الواقع الّذي يكشف إرادة تامّة متحررة من حلقة الفعل وردّ الفعل، أو محاولة حشر طرابلس في الزاوية، لتقدّم عند كلّ حادثة مفتعلة “أوراق اعتماد” أصليّة للانتفاضة.

وحقيقة القول إنه لا عيد للميلاد في طرابلس، بل أعياد. فقبل إضرام النّار بشجرة الميلاد وتهادي الأهالي مجدّدًا إلى دوّار النيني لإعادة نصبها، كان هؤلاء يحتفلون منذ تسع سنوات في ذكرى الميلاد بشجرة يضيئونها في الموقع نفسه. أما في رواية الانتفاضة، أنشأ الثوار في 7 كانون الأول شجرة ميلاد عملاقة في ساحة النور، لم يصبها أذى. ووردنا قبل أيّام -وليس اليوم- خلال جولة ميدانيّة، عزم نشطاء على إحياء “عشاء الميلاد” في ميدان الانتفاضة، كشفته الشابة الناشطة صبا مسعود، موضحة أنّه سيقام في 23 كانون الأول بمبادرة من سيدات من طرابلس، تساندهن “مدرسة المشاغبين” التي تتلقى منذ بداية الموسم في خيمتها عشرات الهدايا الجديدة ليصار إلى توزيعها على الأسر المتعففة في طرابلس. ومنذ أيام أيضًا، أنشأ مقهى “سارة وكريم” شجرة ميلاد ملفتة في جمالها، وأطلق على صفحته الافتراضية إعلانًا لاستقطاب الشجرة هدايا مغلّفة يحدد عليها الجنس والعمر لتوزيعها للأسر الفقيرة، تزامنًا مع العيد وكذلك مع الشدائد الاقتصادية المدوية.

الإنصاف يقضي اليوم بتصنيف جولة “سنّة سنّة” بسحابة صيف عابرة في فضاء طرابلس، والواقعية تقضي بالتأكيد على أنّ شلوش التّعصّب الضاربة بجذورها منذ تأسيس لبنان، في هيكليته وتاريخه، لا تُقتلع بالكامل بين ليلة وضحاها، وهو تحدّ كبير والتحدي الأكبر الذي لا يغيب عن أذهن الثوار، لذلك نجدهم يحتكمون إلى انضباط ووعي وصبر في بناء سدّ منيع بوجه الطائفية. وكلّما تكلمت الطائفية، أكّدت للثوار مجددًا استفزاز الانتفاضة لها، وأكدت بالتالي على صحيّة الانتفاضة ومبدئيتها، وتهديدها للطائفية، بالحد الأدنى فكرياً، وسوف لا تنتهي على المدى الأطول عند هذا الحد.

من رياض الصلح وليس ختاماً بطرابلس، لا يمكن تجزئة الانتفاضة التي معها انتفى المنطق المناطقي والطائفي في مقاربة السياسة، بعدما جهد ويستمر الثوار في تطويعها لمصلحة كل أبناء لبنان. وبالمنطق عينه، لا يمكن تصنيف شلوش التعصب التي تنتأ هنا وهناك بـ تعصّب “شيعة شيعة”، “سنّة سنّة” أو مسيحي محتمل. إنّها شلوش طائفيّة بالعموم وبدون استثناء، تُستثار بتواتر مدروس فيما تكثف وتراكم الانتفاضة محاولات لاقتلاعها.

خلاصة الصّورة، تشخيص لا ينفي عنوان مقالنا إنّما يكمله: الـ”سنّة سنّة” فيلم محروق آخر لاغتيال الانتفاضة… من طرابلس.

اضف رد