الرئيسية / home slide / الغَشْمُ والشَّرُ وجهان لعُملةٍ واحدة

الغَشْمُ والشَّرُ وجهان لعُملةٍ واحدة

12-03-2021 | 00:00 المصدر: النهار

سمير قسطنطين

عُملةٍ واحدة

 كلُّ ما تعرفُه في عالم السّياسة في لبنان هو أنَّكَ في الهاوية. أنتَ لا تعرف بالضّبط إلى أيِّ قعرٍ وصلتَ، وإذا ما كان هناك قعرٌ أكثرُ انخفاضاً من ذاك الّذي أنتَ فيه. وفي لبنان، أنتَ لا تُدرِكُ مَنْ بالضّبطِ أوصلَكَ إلى هنا. كلُّنا نقول إنَّ السّياسيّين والمصرفيّين أوصلونا إلى هنا. لكن ماذا عن القضاء؟ ألم يساهم القضاء في بلوغنا هذا الدرْك البَشِع عبرَ صمتِه المريب عن كلّ الموبقات في الأداء المالي والإنفاق العام؟ ينقسمُ النّاسُ هذه الأيّام انقساماً عاموديّاً كبيراً حولَ السّياسييّن والمصرفيّين والقضاة وكلِّ من تعاطى الشأن العام، وحول دور هؤلاء في وصول لبنان إلى جهنّم. تَرَى معظمَ النّاسِ الحزبيّين يُشَيطِنُون الخصمَ ويبرّرون زعيمهم. حتّى إنَّ البعض يقول لك إنّه لو لم يكُن فلانٌ رئيساً أو وزيراً أو نائباً، لكُنّا في وضعٍ أكثر سوءاً بكثير.  يحاول هؤلاء أن يقولوا إنَّ الآخرَ، الخصمَ، العدوَّ السّياسي هو الشّرير وأنَّ ما يقوم به هو الشّر بعينِه. ويزعمون أنَّ من يمثّلهم في الحُكُم هو البريءُ، النّظيفُ الكفِّ، المُحافِظُ على وحدةِ لبنان، وأنّه الرؤيويُّ الّذي حاوَلَ ويحاولُ في كلِّ لحظةٍ انقاذَ لبنان.  ويحضُرُني في هذا السياقِ طبيبٌ “آدميٌّ” طيّب القلب، دائم الابتسام، “بْيِقْتُلْ حالو كِرْمال النّاس”، لكنّه في عالم الطّب جاهلٌ أو شبه ذلك. هذا الطبيب الطّيب الجاهل يرتكبُ خطأً طبيّاً معيّناً فيتسبّبُ عن غير قصدٍ بوفاة مريضه. هو ليس شرّيراً، ولم يتعمّد القتل، لكنّ الغُشْمَ هنا لا يخلّصه. الطيبة وحدها لا تُنقِذُه. النّزاهة والاستقامة وكلُّ الصّفات الحميدة الّتي يحملها شخصٌ ما في مهنةٍ ما لا تحُلُّ محلَّ أهمية التقنيّات التي يجب عليه أن يكون قد اكتسبها في عملِهِ اليومي لكي ينجح.  ينطبق الأمر على الشّأن العام في بلادنا. أكان السّياسي شيطاناً شريراً، أم ساذجاً غشيماً، فالنتيجة واحدة. الحالتان تأخذانك إلى الموت المحتوم. نحن بطبيعتنا الإنسانية نرأفُ بشخصٍ غشيمٍ أكثر ممّا نرأفُ بشخصٍ شرّير. لكنَّ الغَشْم والشّر توأمان.  أنتَ لا تستطيع أن تُدافِع عن زعيمٍ أو مصرفيٍّ أو رجلَ دين أو وزيرٍ أو أيِّ شخصٍ في موقعٍ منظور فقط لأنّه نظيف الكفّ، هذا إذا وُجِد. الطيبة لا تُفيد شيئاً في حالةٍ كهذه. القدرةُ على التّعاطي مع التّحدّيات وحلُّ المشكلات إنّما هو الأمرُ المطلوب.  لذا لا تُتعِب نفسك بإقناعي أنَّ زعيمَك غيرُ شرّير، ولأنَّهُ كذلك هو لم يستطِعْ أن يُقدِّمَ حلّاً. هذا ليس صحيحاً. في أفضل الأحوال هذا نصفُ الحقيقة. النصف الآخر والأكثر أهميّة في الحقيقة هو أنَّ زعيمك لم يملك التّقنيّات ولا المهارات ولا الخُبُرات لكي يتفادى حصول الأزمة، أو لكي يواجهها بحنكةٍ ورويّةٍ وحكمةٍ ومقاربةٍ تنشد حلَّ المشكلة لا تأزيمها، إذا غدَرَتْهُ وحصَلَتْ.  وأنتَ يا صديقي يا من تُدافِع عن زعيمٍ لا يأبه بشيء، وبالنّسبة لك هو “رجّال”، وهو قادرٌ “إنّو يشيلها من تمِّ السّبع”، و”إنّو ما بيتّاكل”، و”إنّو عضمو أزرق”، دعني أقولُ لكَ إنّك تفتَخِرُ بأمرٍ أسخفَ من السُّخفِ.  عندما يتعلّقُ الأمرُ بإدارة الدّولة من قِبَلِ رجالِ دولة، لا الغشيم يُنقذنا، ولا الشّريرُ يساعدنا على الخروج من المأزق. الغَشْمُ والشرُّ لعْنَتان متساويتان!