الرئيسية / مقالات / الغرق أكثر رعباً من الحرب

الغرق أكثر رعباً من الحرب

يقول جورج أورويل، شكسبير النثر الانكليزي، إن أهوال الحرب العالمية الأولى لم تبعث فيه الشعور الرهيب الذي انتابه لدى غرق “التيتانيك” قبل سنوات قليلة: ذلك الشعور بالغرق في العدم. الحروب شعور عام ليست في قوة الفزع الفردي. معارك لها هدنة أو نهاية. سقوط ختامه قيامة بصرف النظر عن آلام الطريق. أما الشعور بأنك تتفرج على غرقك ببطء، وأن القاع هو النهاية، فقد جعل اورويل يهتز عندما شعر “كمن حملك أحدهم ورفعك فوق المياه، ثم رماك”.

تتبادل الطبقة السياسية التهم حول الغرق فيما المياه المالحة قد تخطت جميع الصدور. في مطالعة أخرى من مطالعاته الخالدة، يحمِّل أورويل هذه الطبقة في انكلترا مسؤولية الانزلاق إلى اليمّ: “ليست انكلترا تلك الجوهرة التي تلمع دائماً في أقوال شكسبير، ولا ذلك الجحيم الذي يتحدث عنه جوزف غوبلز. إننا نشبه عائلة متواطئة في مؤامرة صمت على مصادر دخلها. شبابها مبعدون عموماً عن المشاركة، ومعظم السلطة في ايدي اعمام متهورين وعمات مريضات. تلك الطبقة الحاكمة كانت تستعين في شؤون الادارة بحديثي النعمة، المغرورين”. من اجل الدقة في الوصف، يستخدم اورويل التعبير الفرنسي Parvenus، حديثي النعمة.

التشابه بين انكلترا الماضية والدول المصابة ينتهي هنا. فالعائلة الانكليزية المتهافتة سرعان ما تتحد في وجه أي خطر خارجي أو عميل داخلي. ويروي أورويل أن الصحف المأجورة لم تكن تستأهل أي ملاحقة. فالناس لم تكن تمد يداً لشرائها عن الأرصفة.

كان أورويل يتحدث عن مجتمع يعاني آفاته الاستعمارية: الاستغلال والتعالي وازدراء الضعفاء واهمال حياتهم. المجتمع الذي صوره تشارلز ديكنز من قبل، الفقر والمرض والعتم. ويروي أنه كان في مدينة عربية ذات مرة، فذهب الى حديقة الحيوان فيها. اشترى رغيفاً وراح يطعم منه غزالة في قفصها. ولاحظ ان الحارس البلدي قربه يتطلع إليه في أسى. وأخيراً فهم الوضع، فناوله قطعة من الرغيف.

للغزلان من يطعمها، حتى في بلاد المِحل. وللناس من يسابقها على رغيفها. هذا هو الفارق الازلي المقدس بين الجوع والفجع. بين المشاركة والسطو. يقول اأورويل إن المستعمر الابيض علّم الافريقي فقط استخدام الحربة يوم اصبحت لا تفيد في أكثر من فتح المعلبات.

تعاني بلاد أورويل اليوم، وكذلك بلدان العالم الذي كان هو أحد انبيائه وفرسان عدالته، خللاً وتخلّعاً في ممارسة الديموقراطية واحترام أعرافها. ويحدث أن تلقى احتراماً والتزاماً في بلد مثل تونس، نصفه في العالم الثالث، اكثر مما في “الوايتهول” على ضفاف التيمز، حيث يشدها بوريس جونسون من شعرها كما يشدّ شريكته.

من قلب المجتمعات العريقة تظهر موجة من الديكتاتوريين الصغار، ويستسلم العالم للسلوكيات المعادية للقانون والمستويات الفكرية. ولا تعود العنصرية اعتداء. ويتجه العالم برمّته الى رفع الجدران بين المجتمعات والحدود، حتى حيث الحرية والمساواة هما الدستور. الاسبوع الماضي تحدث ترامب عن ميزات الجدار الذي يقيمه في وجه المكسيك وكأنه في حفل تدشين أحد أبراجه الجديدة، متوقفاً خصوصاً، أو “خصوصة” – كما تقول سيدات الاشرفية في لحظات البلاغة – عند جزء انتهى حديثاً: “اسمنت لا مثيل لقوته، مسلح بآخر تطورات التكنولوجيا. شيء استثنائي حمل ثلاثة مقاولين من ثلاث دول مختلفة على المجيء للتعلم من التقنية. وفي قلب الجدار أنابيب مملاءة هي أيضاً بالاسمنت، تمَّ صبها في قمع خاص بحيث يصمد الجدار في وجه اي محاولة لخرقه بواسطة منفخ نار”. و”تمَّ حفر الاسس على اعمق ما يمكن، كما قام بتجربة النماذج 20 شخصاً من متسلقي الجبال”.

انتهى؟ لا. إنه “من نوع لا مثيل له في العالم “مذهل”، “لا يزال بلون الحجارة الاصلي، لكن يمكن طلاؤه بأي لون”. “لا يمكن اختراقه”، “صُمّم لامتصاص الحرارة ويمكن ان تقلي بيضة (أو أكثر) عليه”.

ذهبت يوم الجمعة الماضي لتعزية الشيخ ميشال الخوري بشقيقته، هوغيت كالان. سألته كيف كان الشيخ بشارة يضع خطبه بحيث يتجمع العرب لسماعها. قال، لم يكن يتطلع في الحاضرين أمامه، بل في التاريخ. كان يعتبر ان الايام عابرة والتاريخ باقٍ.

تذكرنا المناسبات، مفرحة أو مقدَّرة، بزمن العائلات التي بنت أسس لبنان بلا اسوار. كان حزب بشارة الخوري هو “الدستور” ونوابه “الدستوريون”. وكانت صداقاته بين العرب، من سوريا الى المغرب، كما لو كان حجم بلده مائة ألف كلم مربع. وبهذا الحجم وقف الى جانب مؤسسي الجامعة العربية، الستة. لا أكثر.

الاسبوع الماضي أيضاً مُنحت جائزة الرئيس الياس الهرواوي للسيدة ميرنا بستاني. في براءة المنح، تحدث الرئيس تمام سلام والسيدة منى الهراوي بلا نهاية عن سيرة اول نائبة لبنانية. وعن اميل بستاني الذي كان أول وأهم مهندس في العالم العربي. عن الرجل وراء “تعمير” لبنان بعد زلزال 1956. عن الرائد الذي كان أول من بنى الاسمنت في دول الخليج. عن السياسي الذي استعان به جمال عبد الناصر وبنفوذه في لندن، كما يروي محمد حسنين هيكل خلال عدوان السويس.

كل هذا الإرث في العمران والمصارف والفنادق وعمل الخير، طوَّرته ميرنا بستاني، على أنجح وأرقى ما يكون. منذ 200 عام على الاقل وعائلة بستاني تبني في لبنان. وتحمي لغته وعروبته. وتعطي اسمها لكبار المعلمين.

تلك هي العائلات التي بنت لبنان. وهناك الذين شتموها. كل فريق يقدم ما عنده. أكرر، للضرورة ودون اعتذار، وخصوصاً اليوم، عندما ذهبت الى “قصر السيف” في الكويت، زمن الشيخ عبدالله السالم، مررت في قاعة كبرى يجلس فيها رفاقه من رجالات الدولة. واستوقفني احدهم، وكان عقاله مذهباً، وقال، هل انت من لبنان؟ اجبت نعم، قال وسط موافقة حلقة من الكبار وهز رؤوسهم الجليلة: هل تعرفون انتم في لبنان، إن لإميل بستاني أفضالاً علينا؟ لم نكن نعرف. كنا نعتقد أنه مجرد نائب آخر في سياسات لبنان. وكنا نستكثر عليه طلب الرئاسة، فقد افسدنا التدلل في مستويات بشارة الخوري واميل اده وكميل شمعون وفؤاد شهاب. وكان يقال إنه بروتستانتي الاصل. وقياساً بأيوب ثابت، كان ذلك أفضل ما فيه. هذا ما جعله الاكثر انتاجاً في عالم من الثرثرة والفراغ.

اضف رد