الرئيسية / مقالات / العيش في مزبلة؟

العيش في مزبلة؟

اليوم لا معنى للكتابة عن السياسة، ولا عن مشاكل الحكومة، ولا عن مجلس النواب وخلافات أعضائه الميامين، ولا عن الموازنة التي لم تهتد الأفكار النيرة جداً في سعيها الى خفض العجز، الى ضرورة تطبيق القانون وتحصيل الدولة حقوقها من النصابين بما يوقف السرقة والفساد والهدر ونهب المال العام، والسطو الوقح على أموال الناس في المصارف وعبر الضرائب.

دعوني أكتب اليوم عما هو أسوأ بكثير من سرقة اللبنانيين، لنقل تحديداً عن تسميم صحة اللبنانيين وعن زيادة نسبة الأمراض والسرطانات عندهم، وعن إرتفاع نسبة الغباوة عند أطفالهم، ربما لأن الغباوة مطلوبة لكي يستمر أحفاد السياسيين في سرقة المستقبل على ما جرى ماضياً وحاضراً والحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه!

ولذا أبدأ بتقديم نصيحة الى وزير السياحة الآدمي والمتحمس أواديس كيدانيان، بأن يقفل المكتب الذي إفتتحه في المطار، حرصاً منه على تشجيع السياح وتسهيل أمورهم عندما سيتدفقون على لبنان مثل الشتاء في هذا الصيف الواعد، أنصحه اولاً بأن يقفل هذا المكتب لئلا يقع في اليأس في النهاية، على رغم التحسن النسبي الذي يتحدث عنه، وثانياً أن يسارع الى حزم حقائبه وحمل عائلته والهرب من لبنان حفاظاً على صحته وعلى ذكاء اولاده.

ولماذا يا طويل العمر؟

لأننا نتقدم سريعاً لنكون البلد الأكثر تلوثاً في الدنيا، ففي العام الماضي كنا في المرتبة التاسعة عالمياً في إرتفاع نسبة التلوث، وهذه السنة أثبت تقرير دولي هو تقرير “نومبيو” لتلوّث المدن أن لبنان صار في المرتبة الخامسة!

وجاءت المفاجأة المخجلة فعلاً، مع حصول لبنان الذي تغنت به الكتب المقدسة، على المرتبة الخامسة من حيث نسبة التلوث عالمياً مسجلاً نحو 87.39% ومتقدماً نيجيريا والصين ومصر والأردن والكويت وحتى السعودية التي حلت في المرتبة الثامنة والثلاثين!

إذاً لماذا السياح الى لبنان يا سندي؟

ليغرقوا في التلوّث في بلد سمّته فرنسا قبل عامين “مزبلة المتوسط” وهو مهدد من جديد بالغرق في النفايات التي سبق لها ان وصلت الى شرفات المنازل؟

في أي حال، جاءت هذه النتائج “المشرفة جداً” بالتوازي تقريباً مع دراسة في جامعة سان فرانسيسكو مفادها ان الأولاد المولودين لأمهات يعشن في مناطق ملوثة قد يصبحون أقل ذكاء، وان التلوث يؤثر في نمو الدماغ ويضعف معدل ذكاء الطفل وتقول صحيفة “الديلي ميل” إن الاطفال الذين يعيشون في بيئة ملوثة لديهم معدل ذكاء أقل بسبع نقاط من الذين يعيشون في بيئة نظيفة!

هل من الضروري الحديث عن السرطانات والإختناقات والامراض الجلدية؟ لا، هذه دولة تقتل الناس منذ زمن بعيد، ولن تكلّف نفسها قراءة التقرير المشار اليه، لأن خبراءنا الميامين غارقون في دراسة الأثر الصحي لمحارق النفايات التي يمكن ان تزيد نسبة ذكاء الاطفال بما يعوضهم ما خسروه في التلوث!

كنا في الدرجة التاسعة وقفزنا في سنة واحدة الى الدرجة الخامسة، هذا يعني أننا في السنة المقبلة سنكون في المرتبة الاولى، فنستحق عن جدارة علمية لقب مزبلة العالم لا المتوسط وحده.

لكن ليس المهم القول فتش عن السياسة والسياسيين، بل فتش عن هذا الشعب الغبي الذي يقبل بالعيش في مزبلة!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد