الرئيسية / مقالات / العيش المشترك الهشّ… يتهاوى

العيش المشترك الهشّ… يتهاوى

نعيش معاً، جنباً الى جنب. لدينا الهموم نفسها، والمشاكل ذاتها، الحياتية خصوصاً، لكن تختلف لدينا الاولويات، والتطلعات، ويبدو في الواقع كأن لا شيء يجمعنا. نظرتنا الى الامور تختلف، وتتباعد احياناً كثيرة، بل غالباً. بتنا نعتقد ان اللبنانيين يكذبون بعضهم على بعض في المنابر والخطب عندما يتحدثون عن العيش المشترك، او العيش الواحد، والذي تحوّل حفلات من التكاذب بالمشاركة في الندوات والقداديس والافطارات ومراسم عاشوراء. صحيح ان الصراعات ليست دائماً مذهبية طائفية، لان خلاف “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” ماروني ماروني، وصراعات اهل السنّة في لبنان ليست إلا بين ابناء المذهب الواحد، والتباعد الخفي ما بين “حزب الله” و”أمل” شيعي شيعي، والانقسام الدرزي يقوم بين الموحدين انفسهم. لكن هذا الواقع لا يلغي ايضا الانقسام المذهبي الذي يظل جمراً تحت الرماد. فالخلافات التي نتابعها في غير منطقة انما تحمل بذوراً مذهبية طائفية بغيضة يعمل البعض على تغذيتها لإضعاف الحصانة المجتمعية.

اقامة الصلاة في القرنة السوداء الاحد الفائت، والدعوة اليها في المكان نفسه الجمعة المقبل، وإن كانتا لا تمثّلان شريحة واسعة من السنّة، الا ان تلك الصلاة توسّع الخلاف مع اهل بشري، بل تعمّقه لأنها تدخله في الطائفية التي يصفونها جميعهم بـ”البغيضة”، لكنها تصبح زادهم في الضيقات يستعملونها لشد العصب والاختباء خلف متراسها. اهالي بشري “القوات” كانوا حلفاء اهالي الضنية “المستقبل” منذ العام 2005، لكنهم تباعدوا اخيرا، واختلط السياسي بالطائفي ليكرس حال الانقسام، فقصدت النائبة ستريدا جعجع للتوسّط عين التينة بدل “بيت الوسط” ما زاد الطين بلّة. وحال الخلافات في العاقورة واليمونة، وفي لاسا، لا تختلف كثيرا، اذ انها تقوم على الحدود الطائفية المذهبية التي يمكن ان تكون قد رُسمت في “زمن استقواء” وتحركت اليوم في “زمن استقواء آخر”.

زيارة رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل الى الجبل، وإن كانت سياسية بامتياز، إلا انها اخذت منحى طائفياً، وعاد الكلام على تأثيرها السلبي على الوجود المسيحي في الشوف، كأنه منّة من احد، او كأنه مادة ابتزاز وورقة للتلاعب فيها كلما لاحت في الافق بوادر صراع، وهو ما يجعل العودة ضعيفة، وتداعياتها سلبية على كل اهالي المنطقة.

والشيء بالشيء يُذكر، فالتقاء جمهورَي “حزب الله” و”امل” على “معاداة” باسيل، والتصدي له، يأخذ منحى طائفياً، علماً ان عنوانه العريض التصدي لـ”مذهبية باسيل” في الوظائف والادارات. وقد تحولت قضية عامر الفاخوري، الحامل الجنسية الاسرائيلية، مادة انقسام سياسي مذهبي، كأن اللبنانيين يفتشون عن عناصر التباعد والخلاف. وبدل ان يلتقي السياسيون على خطة لمواجهة الازمات، او “ضبضبتها” على الاقل، تراهم يحركون اتباعهم وجيوشهم الالكترونية، لبث المزيد من التحريض الذي يستخدم المذهبية والطائفية مادة اشتعال.

اضف رد