الرئيسية / مقالات / العودة القسريّة لـ”السوريّين” مُستحيلة والطوعيّة بعيدة… ما الحلّ؟

العودة القسريّة لـ”السوريّين” مُستحيلة والطوعيّة بعيدة… ما الحلّ؟

اللبنانيّون مُنقسمون على قضايا كثيرة معظمها مهمّ وكذلك زعماؤهم والحكّام. لكن القضيّة الأبرز من بينها هي مصير النازحين السوريّين إلى لبنان منذ بدء الانتفاضة الشعبيّة السلميّة على نظام الأسد في بلادهم، التي حوّلها قمعه الشديد لها ثورة مُسلّحة صادرتها في وقت لاحق تنظيمات إسلاميّة بالغة التشدّد مارست الإرهاب على كل من يُخالفها أيّاً تكن ديانته أو مذهبه أو إتنيّته. فعدد هؤلاء كبير جدّاً رغم اختلاف فئاتهم في تحديده، إذ يُقدّره بعضها بـ 950 ألفاً وبعضها الآخر بمليون و300 ألفاً وبعضها الآخر بمليون ونصف وهذا التقدير قد يرتفع إلى مليون و800 ألف. وموقف أركان الدولة وسياسيّيها و”شعوبها” ليس واحداً حيال طريقة إعادة هؤلاء إلى بلادهم سوريا رغم اقتناعهم التّام على الأقل علانيّة بضرورة هذه العودة لأسباب متنوّعة، منها عدم القدرة على تحمّل أعباء إقامتهم ماليّاً واجتماعيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً وتعليميّاً وصحيّاً بسبب الأوضاع الصعبة في لبنان على مختلف الصعد، والخوف من انهيارات خطيرة لعدد من القطاعات المُهمّة فيه. ومنها أيضاً الخطر الذي يُشكِّله بقاؤهم في لبنان على ديموغرافيّته وتوازنه الطائفي – المذهبي – السياسي – الإجتماعي. والخطر هذا لا بُدّ أن يتضاعف إذا أُضيف إليه اللاجئون الفلسطينيّون إلى لبنان في الأعوام 1948 و1967 و1970، ومنذ الـ2011 عام بدء الثورة والإرهاب والحروب الأهليّة في سوريا. فبعض هؤلاء الحكّام وأبرزهم رئيس الجمهوريّة ميشال عون ووزير خارجيّته جبران باسيل مع تسريع عودة السوريّين كي لا يتحوّلوا لاجئين ثابتين مثل الفلسطينيّين، ويُبرِّرون موقفهم بأن معظم أراضي سوريا تحرّرت وصارت آمنة. وشارك هذا البعض في موقفه المذكور “حزب الله” و”حركة أمل” وأطراف مسيحيّون. لكن بعضهم الآخر وفي مُقدّمهم رئيس الحكومة سعد الحريري و”تيّار المستقبل” الذي يتزّعم ومعه غالبيّة “الشعب” السُنّي وجهات أخرى يرفضون العودة القسريّة للنازحين السوريّين. علماً أن أحداً في لبنان والخارج لا يستطيع أن يُعيدهم قسراً إلى بلادهم نظراً إلى غياب الإمكانات لديه. وعلماً أيضاً أن الدول الأجنبيّة الفاعلة وفي مقدّمها أميركا والغرب الأوروبي تُحبِّذ العودة الطوعيّة لهؤلاء التي لا يمكن أن تحصل أو على الأقل أن تبدأ قبل إنهاء الحرب في سوريا بكل تفاصيلها أو على الأقل قبل التوصّل إلى تسوية سياسيّة لها، تشترك فيها المعارضة من جهة والمُستقلّون من جهة أخرى و”النظام” السوري من جهة ثالثة. وهذا أمرٌ لم يتحقّق حتّى الآن رغم محور روسيا وإيران وتركيا واجتماعات “أستانا” التي تكرّرت أكثر من مرّة، وأيضاً رغم محور “جنيف” ولواحقه الذي لم يُحقِّق نجاحاً مُهمّاً أو لافتاً حتّى الآن. والمقصود بالعودة الطوعيّة عدم رمي النازحين في أحضان الأسد ونظامه أو في فكّيهما، ذلك أن غالبيّتهم مختلفة مذهبيّاً عن مُؤيّديه “الأبديّين” ومن شأن عودتها تعرّضها إلى القمع أو الذلّ أو المحاسبة…

وفي ظلّ استحالة العودة القسريّة وحتّى العودة الطوعيّة يتساءل اللبنانيّون عن طريقة حلّ هذه المعضلة الخطيرة الآن، والتي سيُصبح خطرها مصيريّاً حتّى بعد سنوات في ظل الولادات الكثيفة في أوساط اللاجئين ونموّ أولادهم و”كبرهم” في لبنان كما حصل مع اللاجئين الفلسطينيّين. طبعاً سيبقى هذا التساؤل من دون جواب حاسم. لكن من المُهم في هذه العجالة شرح كيف يُفكّر مؤيّدو العودة حيال هذه المشكلة، وأيضاً شرح بعض المبادرات المتعلّقة بها وخلفيّاتها. انطلاقاً من ذلك يقول مُتابعون لهذا الملف ولأطرافه على تنوّع مواقفهم واختلافها أن في مقابل ولادة لبناني واحد في عكّار مثلاً هناك ولادة لبناني في كلّ لبنان. ومع وجود النازحين صارت المُعادلة كالآتي: في مقابل ولادة لبناني وسوري في المنطقة نفسها عكّار هناك ولادة لبناني وسوري في كل لبنان. وذلك يعني تكاثراً سوريّاً مُقلقاً في البلاد ومخيفاً. وخطر هؤلاء على لبنان وشعبه أو شعوبه أكثر من خطر الفلسطينيّين الذين يعيشون داخل مخيّمات وفي ظل ضوابط وقيود مُحدّدة ولا سيّما بعدما خسروا لبنان عام 1982، وبعدما سلكت قضيّتهم المُحقّة دروب سلام لا يدرون إذا كان سيتحقّق يوماً وسيكون عادلاً، أو إذا كان التوطين مصيرهم في الدول العربيّة التي إليها لجأوا أو في أرض الله الواسعة. فهؤلاء أي السوريّيون مُنتشرون في كل مناطق لبنان ومُدنه وقراه. وخطرهم الأمني والسياسي والاجتماعي و”الطائفي” كبير في ظلّ هذا الانفلاش، وهو يذكّر اللبنانيّين بدورهم يوم حكمت بلادهم لبنان بالشراكة مع الفلسطينيّين أيّام الحروب (1975 – 1989) ويوم انفردت بحكمه بعد اتفاق الطائف. علماً أن لبنان احتاج إليهم دائماً يداً عاملة قبل الحروب وخلالها وبعدها وحتّى بعد انهيار بلادهم. لكن تلبية هذه الحاجة من دون ضوابط قانونيّة لبنانيّة وفي غياب دولة لبنانيّة جدّية سيضرب الأساسات العميقة للكيان الوطني والدولة، علماً أنّها صارت كلّها مُهترئة. وفي هذا المجال تجدر الإشارة، يقول المُتابعون أنفسهم، إلى أن رفض “التيّار الوطني الحر” إقامة مخيّمات للنازحين على الجانب اللبناني من الحدود مع سوريا، هو الذي تسبّب بانتشارهم الفوضوي والمريع والمؤذي في البلاد كلّها، وهو الذي حرم الدولة مساعدات ماليّة مُهمّة كالتي حصلت عليها تركيا والأردن من أجل الإنفاق على المخيّمات. طبعاً الوقت الآن ليس للمحاسبة أو لتصفية الحسابات. فالخطر يطال الجميع، وعلى الجميع أن يتصرّفوا في هذا الموضوع بطريقة وطنيّة من دون أن يكون حافزهم تحقيق مكاسب سياسيّة على بعضهم بعضاً. فهل يفعلون ذلك وخصوصاً بعد فشل أنصار العودة القسريّة أو غير الطوعيّة في تحقيقها؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد