الرئيسية / مقالات / العودة إلى بيروت

العودة إلى بيروت


علوية صبح – كاتبة وروائيّة
27 أيلول 2018 | 00:00
النهار

ما مَهمة المثقّف اليوم، في غمرة الكوارث والمآسي الإقليمية، لا سيما في فلسطين وسوريا والعراق ولبنان؟

ما مَهمة المثقف اللبناني خصوصاً، حيال تفكك الدولة، وانهيار مقوّماتها الأخلاقية والثقافية؟

لا بدّ من أن ألفت إلى بعض الظواهر الإيجابية في التاريخ الحديث، التي تمتع فيها لبنان حتى السبعينات من القرن المنصرم، بحصانة ثقافية كان يتهيّبها أهل الطبقة السياسية، ويعدّون للعشرة قبل ارتكاب المعاصي، التي كانوا يرتكبونها، لكنْ بتهيّب.

كان لبنان على الدوام، حتى في عزّ حلميّته ونهوضه المجتمعي والسياسي والاقتصادي، وخصوصاً بين الخمسينات والسبعينات، ملعباً للتزوير والإقطاع والعائلية والزبائنية والطائفية والمذهبية. لكن ذلك كلّه كان يجري بالتوازي النوعي مع عالمٍ صلبٍ ومتماسكٍ من المفاهيم والمعايير والقيم، برجالها وبمؤسساتها. فكان هذا يعوّض عن ذاك، بنسبةٍ أو بأخرى، ودائماً من دون أن يختلّ الميزان، الاختلالَ الذي لا رجعة عنه. وأسمح لنفسي بالقول إنّه ما أرحم الإقطاع السياسي قبل الحرب وأكثرهم شهامة ووطنية من الإقطاع المالي الوحشي والطائفي والمذهبي العنصري اليوم.

ثروة لبنان التنوّع الثقافي والديني. ومن قال إنه لا يزداد غنىً مع الحل الوحيد وهو فصل الدين عن الدولة وسيادة ثقافة المواطنة التي أعدمتها سياسة الطوائف والمذهبيات العنصرية القاتلة وعصاباتها وسماسرتها وتجارها بالمال وبالبشر وبالفساد المريع الذي نخر عظام الوطن واكتسحه من دون حسيب؟ وكيف يمكن أن تتحقق ثقافة المواطنة هذه في نظام يعيد تشكيل المجتمع والفرد على شاكلته؟

كانت الثقافة قوة لبنان المنيعة الكبرى، وقد بقيت شاهدةً لـ”لبنان الآخر”، بالأدلّة والبراهين والوثائق، حتى عشيّة الحرب المدمّرة التي وقعت في العام 1975، وقضت على القيم الثقافية، في جملة ما قضت عليه.

سقط لبنان في المستنقع، لأن السياسة فقدت منبّهها ومعيارها الثقافي، وإنْ في حدوده الدنيا.

وعندما فقد لبنان السياسي هذه البوصلة التي كانت توجهه، وتمنعه من الشطط الخطير، فقد “احتياطه الذهبي”، أي مناعته الأخلاقية، أي حصانته، وهي في مجملها حصانةٌ نوعيّة، معنوية، فكرية، روحية، عقلية، فلسفية، حضارية، ذات بعدٍ مجتمعي، تجلّى في التحوّلات العميقة التي طاولت مجتمع المدينة، بيروت خصوصاً، وجعلته مجتمعاً منيعاً يرفع السياسة إليه، ولا يقبل بأن ينزل إليها، أو يتنازل من أجلها.

سقط لبنان عندما فقدت “الأخلاق” السياسية ميزانها، فباتت السياسة خالية عن السياسة، ومفرّغةً منها، لتصبح سياسة الرعاع والأفاقين وقطّاع الطرق وشذّاذ الآفاق.

لا ينحو هذا الموقف منحىً ماضوياً، ولا يرتضي لنفسه أن يستغرق في الرثاء والحنين والحسرة. لأنه يطلب الواقعية في السياسة وفي الثقافة على السواء.

من أجل ذلك، لا أرى، بصفتي مواطنة ومثقفةً وكاتبةً لبنانية، أيّ مستقبلٍ متفائل للبنان، إلاّ إذا استعادت بيروت عافيتها الثقافية، كعاصمة للحرية والديموقراطية والتعدد في العالم العربي.

بيروت المساحة الفكرية والإنسانية الحرّة، بيروت الملتقى والمكان والمنارة والمختبر الإبداعي للبنانيين والعرب الذين كان لهم دور في إنعاشها وحياتها، هي وحدها تعيد لبنان إلى عقله التائه في غياهب السياسات الصغيرة والناس الصغار.

نشتكي من إهمال الدولة للإبداع الحقيقي والمبدعين على كلّ الصعد، لكن لعدم التفاتتها للثقافة ولدورها إيجابيته وهي حرية التعبير النفقودة في بلدان أخرى، لأن أنظمتها تخاف من ثقافة الحرية والمعرفة وتحاصر المبدعين بكبت الحريات أو السجون. فليبقَ أهل السياسة الجهلة في لبنان على جهلهم لدور الثقافة وعدم دعمها، ولكن لتبقى حرية التعبير آخر هواء يتنفّسه المبدعون، وبات إبداعهم، ويا للأسف، آخر ما تبقّى لهم من وطن يسكنونه.

اضف رد