الرئيسية / أخبار الاقتصاد / العهد لا يواكب العالم

العهد لا يواكب العالم

القرن الحادي والعشرون يختلف عن القرون السابقة لان أسس الانتاج وتنوّع الخدمات التعليمية والصحية والبيئية اصبحت مرتهنة لقدرات برامج الذكاء الاصطناعي التي هي معقودة حتى تاريخه لنشاطات الشركات الاميركية والمؤسسات الصينية، علماً بان المؤسسات الصينية التي تركز على نشاطات مماثلة لشركات اميركية صارت تسبق الشركات الاميركية في تسجيل الاختراعات وحتى في حالات معينة في حجم اعمالها.

الدراسات المتوافرة عن شركات ومؤسسات الذكاء الاصطناعي تمهد لاعتبار عام 2030 مفصلياً في القيادة الاقتصادية العالمية، والمعلّقون الاميركيون باتوا في غالبيتهم يرون ان عقد الثلاثينات سيشهد سيطرة الصينيين على التجارة مع 60 في المئة من بلدان العالم، وان عام 2030 سيكون عام انجاز مشروع طريق الحرير الضخم الذي تمدد الى افريقيا وحتى الشرق الأدنى والاوسط في باكستان، واليونان، واسرائيل، وابو ظبي والاردن، وهناك على الاقل 10 دول تعتمد في توقعاتها الانمائية على الابتكارات الصينية وعلى انفتاح الصين على الاستثمار والمشاركة في انجاز خدمات البنية التحتية، ولا نقول انجاز الاعمال الهندسية فحسب، فهنالك ابتكارات صينية لم تُعرف معالمها بعد، من اهمها ربط شبكات التخابر الخليوي بخيوط غير مرئية توفر اتصالات افضل واسرع من شبكات الـ fiber optic، والشركة المطورة هي الشركة المصنعة لهواتف هواوي الصينية، وهذا الابتكار يعوّض الحاجة الى حفر الطرق واعادة ردمها من اجل مد شبكات الـ fiber optic، فالهواء يحمل الاتصالات بشبكات الشركة الصينية الرائدة.

اننا نقرأ عن الانجازات التي اعتُمدت في بريطانيا ونيوزيلندا على رغم اعتراضات الاميركيين، وننظر الى التبادل التجاري الصيني – الاميركي فنرى ان صادرات الصين هي في المكان الاول الاجهزة الالكترونية المتطورة سواء لاجهزة التخابر المحمولة او اجهزة اكتشاف الامراض قبل تشعّبها في الجسم، واجهزة او برامج نقل الانتاج الكهربائي هوائياً من دون شبكات ممتدة على مساحات طويلة، ومن البلدان المستفيدة من الخدمات الكهربائية باكستان.

في المقابل، ماذا فعلنا لتحقيق التقدم الخدماتي وتوسيع خدمات القطاع العام؟

الكهرباء لا تزال مستويات خدماتها لا توفر الخدمة لمن كانوا يحصلون عليها في اواخر العشرينات حينما كانت امتيازات الكهرباء موزعة على بضع شركات، وخدمات المياه تأخرت الى حد بعيد بحيث اصبحت صهاريج بيع المياه في بيروت تساهم في زيادة ضغوط زحمة السير، ومن دون التحقّق من نوعية المياه، ولا يزال هنالك معلّقون يتمسكون بادعاء سرقة اسرائيل مياه لبنان، وقد اصبحت كثرة هؤلاء المعلقين على امور لا يعرفون عنها الكثير من اسباب تذمّر الناس، ويوما بعد يوم تظهر الصورة البشعة عن تلوث مياه الشرب والمياه الخاصة بالزراعة. وعلى سبيل المثال، كان هنالك تفرّع لمياه الليطاني لري منطقة غرب البقاع، وقد طالب المزارعون والمواطنون في المنطقة بوقف تسليمات هذه المياه لانها ساهمت في ارتفاع الاصابات بمرض السرطان في المناطق التي كانت تتغذى من التفريع المشار اليه.

ليست المياه وحدها المشكلة، فلبنان البلد الاكثر تمتعاً بالامطار في منطقة الشرق الاوسط كان قد اقر مشروع الليطاني ونفّذه لتوفير فرص الري في البقاع والجنوب، وربما تأمين المياه النظيفة لبيروت، وقد أُجهضت جميع الاهداف التي اراد تحقيق نتائجها العبقري المهندس ابرهيم عبد العال الذي هدف الى تأمين مياه الري ومياه الشرب وبناء معامل لانتاج الطاقة الكهربائية. وهذه المعامل الثلاثة التي طاقتها 150 ميغاواط متوقفة عن العمل بسبب غياب الصيانة، وكلفة انتاج الكيلوواط ساعة في هذه المعامل 4 سنتات مقابل 28 سنتاً في المعامل القائمة والمتقادمة. والشكوى من سرقة اسرائيل مياه الليطاني غير صحيحة لان اسرائيل توفر 2.5 مليوني برميل من المياه التي تُحلَّى من البحر.

والحديث عن المياه يستجر الحديث عن معالجة النفايات. هذا الموضوع الذي ظهر ان معالجته كمعالجة موضوع الكهرباء مستحيلة، والواقع ان كل انجاز يمكن تحقيقه اصبح متأخراً سنوات، اكان ذلك بسبب الابتعاد عن التكنولوجيا الحديثة في اصدار الاحكام القضائية، او احتساب العجز السنوي في الموازنة، الامر الذي ساهم خلال السنوات العشر الماضية في زيادة عجز الكهرباء الذي بلغ 33.9 مليار دولار بـ 10 مليارات دولار، وصاحب كتاب “الابراء المستحيل” الذي اظهر خطأ حساباته المدير العام لوزارة المال الذي احتسب جميع ارقام الإنفاق على نشاطات مختلفة خلال اربع سنوات. وتكفي الاشارة الى تقديرات رئيس لجنة المال والموازنة بحصر العجز بـ 500 مليون دولار عام 2018، فاذا بالنتيجة تظهر عجزاً عند مستوى 1.5 مليار دولار، اي نفقات تفوق تقدير رئيس اللجنة بما يساوي ملياري دولار في السنة، وبالتالي اضافت ارقام ارتفاع عجز السنوات العشر الاخيرة 10 مليارات دولار الى عجز الكهرباء، فأصبح العجز الناتج من اخفاق وزراء الطاقة ورئيس لجنة المال البرلمانية مع احتساب الفوائد يبلغ 65 مليار دولار، اي ما يفوق الـ 60 في المئة من العجز المتراكم.

أينما نظرنا ومهما اردنا التسامح مع عهد جديد، نجد ان الاخفاق كان ولا يزال الصفة الغالبة على سيرة القطاع العام. ولا شك في ان ازمة كورونا اظهرت إقدام بعض الوزراء، وخصوصا وزير الصحة، على خطوات ساهمت في حصر توسع هذا الوباء.

يبقى ان مقارنة خطوات القطاع العام بالحاجات الملحة في لبنان، وتوسع نطاق البطالة وانخفاض حجم الانتاج، او ما يسمى الدخل القومي القائم بنسبة قدَّرنا ان تبلغ 15 في المئة عام 2020 مقابل تقدير يبدو انه اكثر دقة لاقتصادي واستاذ احصاء مميز، وحسابه قياسا على حصر امكانات سحب الاموال النقدية بالعملة اللبنانية، سيؤدي الى اختناق الاقتصاد وخسارته نسبة 40 في المئة من حجم الانتاج عام 2020، وهذا الامر يعني ان لبنان سيحتاج بالتأكيد الى حكم رشيد وحضاري يتمتع بطاقات شبابية ونيات انجازية. واذا لم نحظَ بقدرات وتوجهات على مستوى التطورات الدولية التقنية فسنعاني من نتائج كارثية على الصحة، ومساحة حرية التعبير، وتوجهات التجديد، ومحاولات ضبط تلوث البيئة على الارض، وفي البحر والمناخ العام، وليس لنا سوى ان نبتهل لخلاص لا يبدو انه متوقع او في حساب القيّمين على الحكم.

اضف رد