الرئيسية / home slide / العهد العوني المتهالك في سنته الأخيرة… تفكُّك الصيغة وسلخُ لبنان من عروبته!

العهد العوني المتهالك في سنته الأخيرة… تفكُّك الصيغة وسلخُ لبنان من عروبته!

01-11-2021 | 00:25 المصدر: “النهار”

ابراهيم حيدر

Bookmark
أضف للمفضلة
الوضع الكارثي للبلد (تعبيرية – نبيل إسماعيل).

ليست الأزمة الأخيرة ل#لبنان مع #السعودية ودول خليجية أخرى، وهي الأخطر مع دخول العهد العوني سنته السادسة والأخيرة، إلا تتويجاً لسياسات إدخال لبنان في صراعات المنطقة واستتباعه لمحور ضد آخر، وهيمنة قوى الممانعة على الحكم والقرارات المصيرية. والامر لا يقتصر على تغطية سياسية فحسب تولاها رئيس الجمهورية، لـ”حزب الله” وتدخلاته في المنطقة، وخصوصاً في سوريا، بل ينطلق من خلفية قامت على فكرة تحالف “الأقليات”، ما استتبع الموقع الرئاسي الأول لسياسات الحزب وتسبّب بعزل لبنان وسلخه من انتمائه العربي، وضرب دوره التاريخي في المنطقة، لا بل شوّه فكرة العروبة نفسها والهوية، الأمر الذي أدى إلى إحياء نعرات طائفية تتناقض مع تاريخ مسيحيي لبنان بالانفتاح على العروبة والآخر.

مع دخول السنة السادسة للعهد، استحال البلد في وضع كارثي. بدت الرئاسة اللبنانية متهالكةً مع #ميشال عون، وهو الذي انطلق مما يسمى “تحالفاً أقلوياً” دفعت البلاد ثمناً له، في ظل هيمنة سياسية يتقدمها “حزب الله” الذي لا يخفي إمساكه بملفات أساسية في البلد، وبات أكثر إطباقاً خلال العامين الماضيين. مع هذا العهد توالت الكوارث، ونُسف اتفاق الطائف، ولم يكن ممكناً إطلاق مبادرات من موقع الحكم لإخراج تسويات إنقاذية أو على الأقل تخفف الانزلاق نحو الجحيم.

باتت تقاليد الرئاسة في لبنان في مكان آخر، تغيّرت معها معادلات وتكرست موازين قوى، تركت تداعيات خطيرة على كيانه ووجوده … قد لا يكون عون مسؤولاً وحده عما حلّ بالبلد، إنما الطبقة السياسية كلها التي حكمت لبنان بالمحاصصة والفساد والتنفيعات، لكن موقع الرئاسة الأولى في الصيغة اللبنانية يُفترض فيه أن يكون ناظماً لآليات الحكم، وهو ما عجز عنه وبات لبنان أكثر انكشافاً للخارج. فما كرّسه في الحكم طوال 5 سنوات، أدى إلى الإنسداد الكامل للنظام… الصيغة اللبنانية اهتزت، بدءاً من الاعتبارات التي فرضت اعلان اسمه مرشحاً وحيداً للرئاسة قبل 2016، وما حدث حينذاك أخرج الأمور عن مقاربة الشأن الوطني العام، وما كانت تنتجه التسويات بين الطوائف اللبنانية على الموقع الأول، فارتسمت ملامح صورة جديدة للبنان، تختلف عما اعتدناه في التعامل مع الموقع الأول في الدولة، وطرحت اسئلة عن وجه العهد وطبيعته للمرحلة المقبلة. وفي الممارسات تكرّست طريقة مختلفة في تشكيل الحكومات قائمة على الثلث المعطل، والأخطر فيها كان تهشيم اتفاق الطائف وفرض أعراف وتقاليد جديدة استخدمها ميشال عون حين وصل الى الرئاسة، وكذلك خلال فترة السنوات الخمس الماضية، من فرض شروط على رئاسة الحكومة وتكليف الأسماء وحجز التشكيل، إلى حد ان ثلاثة اسماء للتشكيل تغيرت بعد استقالة حكومة حسان دياب، نتيجة استعصاء عون، إلى أن تمكن نجيب ميقاتي من التأليف مقيداً بحزمة من شروط الممانعة وقدرة على التعطيل تمثلت أخيراً بتعطيل مجلس الوزراء لتنحية المحقق العدلي طارق البيطار.

الأسئلة القلقة عن شكل الحكم في البلد، مع ميشال عون، تحولت أمراً واقعاً. تصرف رئيس الجمهورية في مختلف المحطات، كطرف وليس من موقع الحكَم، وصُنّف في دائرة قوى الممانعة. عمل على تثبيت أعراف وتقاليد، فيما كان البلد ينزلق أكثر نحو الانهيار وتزيد عزلته العربية والدولية للسلطة وللعهد تحديداً بتحالفه مع “حزب الله”، ولم ينجح بتبرئة نفسه من الاستعصاء الذي كان يرفعه أمام تأليف الحكومات، ولا توفير الدعم لحركته السياسية وشروطه التي تقوم على الثلث المعطل وتمنع التقدم في تشكيل حكومة إنقاذ إصلاحية حقيقية تعيد العلاقات مع الدول العربية وتؤمن المساعدات المطلوبة للإنقاذ.الاخطر أن ميشال عون تحالف مع “حزب الله” كقوة تمتلك فائضاً وأكثر تنظيماً ولديها مشروع بامتدادات اقليمية وبمرجعية خارجية، وتعبّر عن قوتها بوضوح وتستخدمها لتنفيذ أجندتها، وأيضاً في اطار الصراع الإقليمي، وإن كان حاول خلال السنوات الخمس تنفيذ أجندته باستعادة الصلاحيات وتكريس عودة الرئيس القوي. لكن عون كان يغطي لحسابات تمتين موقعه في الحكم، واستمراريته، فيما أمسك الحزب بكل مفاصل الدولة بوجوده، وبتمدده في بُنى الطوائف، وهي سياسة اتبعها خصوصاً بعد تنصيب ميشال عون رئيساً للجمهورية، فاختل ميزان القوى لمصلحته في اطار الهيمنة والتماسك والقدرة والتمويل، وذلك بعدما اصاب الوهن القوى والمكونات الاخرى وفقدت من رصيدها، خصوصاً السنية السياسية بعد اخراج سعد الحريري من رئاسة الحكومة، ثم تولّي نجيب ميقاتي الرئاسة الثالثة وهو غير قادر على شد عصب بيئته، كما انه عاجز حتى عن عقد اجتماع للحكومة.استثمر ميشال عون بقوة “حزب الله” الذي يستند إلى الفائض ومشروعه الخارجي والهيمنة وضعف المكونات الاخرى التي تضطر الى التطبيع معه. ففي البيئة المسيحية، كانت مصالح “حزب الله” تتفق مع رئيس الجمهورية وتياره وبتغطية متبادلة للأمور الاساسية، فيما يتلاقى الطرفان مع النظام السوري للنيل من قوى أخرى بينها “القوات اللبنانية”، وهي الطرف الأهلي في الشارع المسيحي الذي لم يسلّم لـ”حزب الله”، وغطى عون هذه السياسة في حين ان تياره كان يسعى إلى تعويم بنيته مسيحياً. وفي عهده كان الحكم له والقرار الاستراتيجي لـ”حزب الله”، ذلك أن الحزب لا يستطيع تسلّم الحكم مباشرة بسبب التركيب الطائفي للنظام وتوازنات الطوائف، إذ لا يزال البلد محكوما بتوازنات داخلية وخارجية مؤثرة، ولذا يضطر الحزب الى نسج تحالفات والالتفاف لتكريس هيمنته فوق المكونات اللبنانية الأخرى.

في السنة الأخيرة من عهد عون يواجه لبنان أسوأ أزماته وأخطرها على الاطلاق، وهو يتهاوى ويتدحرج نحو الانهيار. مقاطعة خليجية وعزل وضغوط أميركية وعقوبات، فيما لبنان ينسلخ فعلاً من انتمائه العربي وهويته، وتتهشم صيغته إلى حد السقوط. في هذه السنة يبدو لبنان يقترب إلى الجحيم، فما الذي يمكن أن يحققه عون بعدما أثبت عجزه، في وقت ارسى تقاليد وأعرافا لم يعد ممكناً الخروج منها، ولم تعد تحكم الحياة السياسية معادلات وتوازنات كانت كرستها الصيغة اللبنانية تاريخياً؟ فالتركيبة انهارت وتفككت، وأطاحت الممارسات السياسية والتقاليد الجديدة والأعراف التي تكرست بالأمر الواقع، هوية لبنان وباتت مشوَّهة وملحقة…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
Twitter: @ihaidar62