الرئيسية / home slide / العلّامة الصديق أنطوان رومانوس

العلّامة الصديق أنطوان رومانوس

11-10-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”

عقل العويط

أنطوان رومانوس.

انطفأ أنطوان رومانوس صباح الأحد، العاشر من تشرين الأوّل هذا. هو صديق العمر من خريف العام 1971، وهو العلّامة البروفسور النفسانيّ، والأستاذ الجامعيّ النبيه، والمرشد الأكاديميّ والنفسانيّ الألمعيّ، و#الأديب الرحب، والمثقّف الكبير، والناشط والمناضل الوطنيّ من أجل الديموقراطيّة والعلمنة والأنسنة والحرّيّة بامتياز.

فجأةً، وبطريقةٍ غادرة، تتضمّن الكثير من خبثنة الدهر ووطاوته ومكره، دخل أنطوان إلى المستشفى بكامل أبّهته، وأهبته، وعقلانيّته، ووعيه النقديّ، ومداركه، وثقافاته، وانتباهاته، على أمل العودة إلى مقرّه التصوّفيّ الاعتزاليّ في مسقطه شبطين، ببلاد البترون، لكنّه وقع في الفخّ الكبير الذي لا مخرج منه لأحد.

تعرّفتُ إلى أنطوان رومانوس في كلّيّة التربية بالجامعة اللبنانيّة في خريف العام 1971، وانتمينا مع أسرابٍ غفيرة من الشابّات والشبّان (اللّامنتمين) إلى تلك الحركة الوطنيّة – السياسيّة – الفكريّة – الثقافيّة – الإنسانويّة – العلمانيّة – المدنيّة، “حركة الوعي”، التي اجتهدت منذ ذلك الحين في العمل على كسر مفهوم الولاء الضيّق بين يمينٍ تقليديّ ويسارٍ تقليديّ، بحثًا عن الطريق الثالث، عن القوّة التاريخيّة الثالثة، التي قد يكون في مقدورها أنْ تنقل لبنان الدولة، لبنان المجتمع، لبنان السياسة، ولبنان العقل، ولبنان الثقافة، إلى الدولة المدنيّة العلمانيّة الديموقراطيّة السيّدة الحرّة المستقلّة.

منذ ذلك الزمن، ترسّخت بيننا صداقةٌ إنسانيّةٌ عميقة الجذور والمعنى والدلالة، لم تستطع الأيّام، ولا حوادث الدهر، ولا المشقّات، ولا الأهوال، ولا الحروب، ولا الاقتتالات، ولا الانقسامات، أنْ تنال منها، أو أنْ تلوّثها بغبرةٍ بسيطة.

من المفجع حقًّا لي، وللجماعة الصديقة التي تحلّقت حول أنطوان رومانوس وعائلته، أنْ لا يعود مقيمًا بيننا هذا الرجل المضيء، وهو لا يزال في منعة العقل والوعي والحصافة، كما في صرامة الموقف القيَميّ – المعياريّ – الأخلاقيّ – الوطنيّ – السياسيّ – الفكريّ – الثقافيّ، الذي لا يرتجف أمام استبدادٍ انحطاطيٍّ في الحكم، ولا أمام إرهابٍ، ولا أمام ظلامٍ، ولا أمام ظلاميّةٍ، ولا أمام احتلالٍ، ولا أمام وصايةٍ، ولا أمام سلاح.

أبحاثه النفسانيّة الخلّاقة، وأستاذيّته الجامعيّة، ونضارته العقليّة، وصلابته الفلسفيّة والنفسيّة، وسخريّته السوداء، ودعاباته الشعريّة والزجليّة، وهجاءاته لأهل السلطة والفساد والسرقة، ولحديثي النعمة في الثراء وفي السياسة، كانت أقوى من المشقّات والأوجاع الجسديّة التي ألمّت بخرزات عموده الفقريّ، فلم تمنعه يومًا من التبصّر الرؤيويّ في جوهر الأمور ومآلاتها.

أنطوان رومانوس خسارة فادحة لعلم النفس (العياديّ)، للجامعة اليسوعيّة، للبحث الأكاديميّ، لطلّابه ومريديه، للوعيّ الوطنيّ والثقافيّ، للصداقة المنزّهة، ولأهل البيت الباكي. ألا يحقّ لي أنْ أحيّيه من أجل كنوزه وأوصافه هذه، وأضيف إليها ترجمته الذكيّة والأنيقة إلى الفرنسيّة لمختارات من قصائدي L’échappée، صدرت لدى “دار شرق الكتاب”!

سلامٌ إلى روح العلّامة الصديق أنطوان رومانوس.

Akl.awit@annahar.com.lb
الكلم