العقوبات الأميركية و”جمّال ترست بنك”

حتى تاريخه لم تتضح تفاصيل العقوبات الاميركية على “جمال ترست بنك”. لقد أصيب المصرف بصدمة غير متوقعة. ذلك أن “جمال ترست بنك” يعمل منذ سنوات على ترسيخ الادارة وتنويعها وتكريس التعامل الالكتروني، ورئيس مجلس ادارته من انقى العاملين في هذا القطاع وهو عزز خدمات المصرف بإيجاد مكاتب تمثيلية في بريطانيا وساحل العاج ونيجيريا.

عندما تأسس المصرف عام 1963، شارك في تأسيسه اربعة مسيحيين هم جميل بولس، ميشال نادر، شفيق بولس ونعيم عبد النور، اضافة الى شخصية اسلامية معروفة الاستاذ سميح الصلح.

بما ان الفريق المؤسس لم يكن بينه من ينصرف الى شؤون المصرف، وبعد تصفية “بنك انترا” أكبر مصرف تجاري في لبنان عام 1966، شاء المؤسسون نقل الملكية الى رجل اعمال، وكان خيارهم بيع غالبية الاسهم لعلي الجمال الذي كان سابقًا مغترباً في افريقيا، فأرسى الشريك الاساسي الجديد علاقات موسعة مع عدد ملحوظ من الشيعة العاملين في افريقيا، كما أسس مصرفًا في مصر التي كانت مقصداً للافارقة، وتملك عقارات في لبنان كان منها العقار الذي شيّد عليه فندق “الموفنبيك” في منطقة الروشة والعقارات المتاخمة له حيث لا يجوز البناء على ارتفاع يتجاوز الطريق العام.

لكن تقلبات الاوضاع في مصر والسياسات الاشتراكية واجهت المصرف بصعوبات، فاضطر علي الجمال الى التخلي عن ممتلكات ثمينة من أجل تصحيح أوضاع هذا المصرف في مصر، ومن ثم انتقلت مسؤولية الادارة والملكية الى نجله انور الذي وسع مروحة الخدمات والكفاءات وتوصل الى زيادة موجودات المصرف لتتجاوز المليار دولار، وانجز مركزاً حديثاً للمصرف قريباً من مباني ادارة الضريبة على القيمة المضافة.

الاميركيون يواجهون “حزب الله” ويعتبرون ان اضعافهم مؤسسات تجارية وحتى صحية يملكها أهل الشيعة الناجحون يسهم في اضعاف الحزب وشبكاته للخدمات. والتوجهات الاميركية ليست دائمًا دقيقة. فعام 2011، اتهم الاميركيون “البنك اللبناني الكندي” بتبييض الاموال وفرضوا عليه عقوبة بلغت 100 مليون دولار، وبعد دمج المصرف مع “الشركة العامة”، أقام اصحابه السابقون دعوى على السلطات الاميركية وربحوها وبرئ المصرف من التهمة انما بعد اتمام عملية الدمج.

لدى “جمال ترست بنك” عدد كبير من الشيعة العاملين في أفريقيا والولايات المتحدة وقد التزمت ادارته توصيات “بنك التسويات الدولية”، الذي تأسس من الدول الصناعية في سويسرا وبات يماثل المصرف المركزي للمصارف المركزية في العالم. وكان الاميركيون من مؤسسي هذا المصرف ولهم تمثيل في مجلس ادارته، لكن المصرف يعمم توصيات حول رسملة المصارف وملاءتها ويفترض تقيد جميع المصارف بها في البلدان التي لا تقيد التحويلات منها واليها. وتشمل التوصيات وجوب التحقق من تحصيل ثروات المودعين بصورة شرعية وعملية التحقق تسمى KYC أي “اعرف زبونك” التي يفترض أن يوقعها الزبائن الجدد. ويوصي “بنك التسويات الدولية” بالاحتفاظ بنسبة سيولة جاهزة توازي 15 في المئة من الودائع للزبائن.

المصارف الاميركية لا تلتزم هذه الشروط والمصرف المركزي الاميركي لا يفرض على المصارف الاميركية الالتزام، وسنقدم براهين على ذلك بداية بشروط الملاءة والسيولة. فالمصارف الاميركية التي يتجاوز حجمها – أي مجموع ودائعها – 100 مليار دولار لا يطلب منها سيولة تفوق ثلاثة في المئة، مقابل الـ15 في المئة التي تتقيد بها المصارف الاوروبية واللبنانية، كما أن المصارف الاميركية لا تلزم توقيع الـKYC أي الهوية المالية للزبون الجديد.

لقد كنت نائبًا لرئيس “بنك فرعون وشيحا” الذي شملته عملية دمج من “بنك بيبلوس” قبل بضع سنوات، وأشير الى واقعة ربما كانت حوالى عام 2008 عندما زارتنا سيدة سورية تحمل شيكًا مصرفيًا بقيمة مليون دولار ارادت ان تودعه المصرف. ومع توضيحها انها تملك أسهم شركة صناعية، تمنعنا في “بنك فرعون وشيحا” عن فتح الحساب لان تعليمات مصرف لبنان كانت تفرض عدم فتح حسابات بالدولار لسوريين، علمًا بان “بنك سوريا التجاري” كان ولا يزال يعمل في لبنان.

غادرتنا السيدة وسافرت الى سويسرا وعادت بعد بضعة أيام وشاءت زيارتنا واطلاعنا على ان مصرفاً اميركياً كبيراً فتح لها حسابًا بالمبلغ من دون أي سؤال عن مصدر الاموال.

مثل آخر أكبر وأكثر أثارة للحزن. طلب مني صديق عزيز يعمل في السعودية ان أساعده على الحصول على ضمانة مصرفية بقيمة 12 مليون دولار وفي المقابل يودع المصرف 8 ملايين دولار ضمانة لمن يصدر الضمانة لتنفيذ مشروع هندسي في السعودية. وصديقي كان بدأ يشكو من ضعف في الذاكرة. أشار علي رئيس المصرف اللبناني الذي قصدناه والذي له فرع في البحرين بأن العملية غير قابلة للتنفيذ لان صديقي يسهو وذاكرته ليست دقيقة. وقد اعتذرت من هذا الصديق الذي توجّه الى سويسرا وحصل على ضمانة لعقد الهندسة في السعودية وأودع 8 ملايين دولار كانت في مصرف لبناني مع البنك الاميركي. وقبل انقضاء شهرين أبلغت ادارة المصرف المعني انها سحبت الضمانة لأنها غير واثقة من قدرات الزبون على الانجاز – وهي لم تطالبه بان يفصح عن مصدر امواله، وتالياً سحبت الضمانة والمبلغ الذي أودعه صديقي.

معلوم ان السلطات الاميركية فرضت غرامات على “دويتشه بنك”، و”البنك البريطاني للشرق الاوسط”، وأكبر مصرف فرنسي لمخالفتها تعليمات الحظر الاميركي على التعاون مع ايران، فاقت الـ28 مليار دولار. في المقابل ظهرت عمليات تبييض أموال بقيمة 250 مليار دولار لدى Danske Bank أكبر مصرف دانماركي عبر فرع له في تالين عاصمة استونيا وكانت نصف العمليات لحساب متعاملين روس وثلث العمليات لحساب شركات وافراد بريطانيين.

تحقيقات السلطات الدانماركية لم تؤد الى فرض اية عقوبات. فعلى ما يبدو ان حكومة استونيا غير متقيدة بالعقوبات الاميركية، والمسؤول المصرفي في المصرف الدانماركي لم يصرف من عمله. وفي المقابل، في لبنان كان التصويب على مصرف شيعي، ومجلس ادارته يشمل ثلاثة ممثلين لمصرف لبنان، ومسؤولو وزارة الخزانة الاميركية يكررون الاعراب عن ثقتهم بحاكم مصرف لبنان وفرضه التقيد بالأنظمة المطلوبة وربما لهذا السبب كان الاتهام لـ”جمال ترست بنك” اتهاماً عاماً بان لديه زبائن من رجال الاعمال الشيعة في افريقيا. والاميركيون يدركون أن دورهم في أفريقيا بدأ بالتراجع امام الحماسة الصينية للاستثمار في هذه القارة حيث خصصت الصين اكثر من 26 مليار دولار للاستثمار في بلدان افريقية مثل نيجيريا والغابون وجنوب افريقيا. لذا فإن السلطات الاميركية قصدت أن تتهم “جمال ترست بنك” بمخالفات لم تحدد، وتالياً يمكن اعتبار الخطوة الاميركية سياسية، فهم يسعون الى فرض سياساتهم المالية وشروط الملاءة المقررة في سويسرا والتحقق من هويات اصحاب الحسابات من غير ان يفرضوا ذلك على أنفسهم.

لقد بات الاميركيون منشغلين بالدفاع عن دور الدولار في التجارة العالمية. فهذا الدور انحسر بنسبة ستة في المئة في السنوات الخمس المنصرمة، ولا يزال يساوي 65 في المئة من قيمة التجارة العالمية. والصين بادرت آخر شهر نيسان 2019 الى جمع ممثلي 40 دولة مرشحة للتعاون على تحقيق مشاريع انعاش طريق الحرير سواء بالمبادلات عبر الشحن البحري والجوي والبري. وعند اكتمال خطط الصين واستجابة الدول المعنية لها، قد يصبح حجم الدول المتعاونة 50 في المئة من الدخل القومي العالمي، وعندئذٍ مع تسهيلات التبادل بالعملة الصينية قد ينحسر دور الدولار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*