الرئيسية / أضواء على / العصفوريّة : اسم لازمَ ذاكرة اللبنانيين لمصحّ ضخم للأمراض النفسية… التسمية والمؤسِّس

العصفوريّة : اسم لازمَ ذاكرة اللبنانيين لمصحّ ضخم للأمراض النفسية… التسمية والمؤسِّس

بطاقة بريدية يظهر فيها مستشفى “العصفورية” (الصورة لزياد عيتاني).

في الحازمية، بعض ما تبقى من “العصفورية”، وهي كلمة شاميّة تعني مستشفى المجانين. وإذا كان الراحل الكبير فيلمون وهبه أراد تخليد هذا المكان من خلال كتابة كلمات وتلحين أغنية “ع العصفورية” للشحرورة صباح، فهي دليل إلى أن ضغط الحب قد يؤدّي بصاحبه إلى دخول العصفورية، والخضوع لعلاج نفسي جراء ألم العشق. ولا شك أن مطلع الأغنية أكبر دليل: “عالعصفورية عالعصفورية وصَّلني بإيده وما طلّ عليِّ / عالعصفورية عالعصفورية وصَّلني بإيده عالعصفورية / يا بيّي…”.

الساحة العامة للعصفورية (الصورة لزياد عيتاني).

ما هي العصفورية؟… وفقاً لما ذكره الإعلامي والباحث في التراث الشعبي زياد عيتاني لـ”النهار”، أن “«العصفورية» فرغت منذ 10 نيسان 1982، وما تبقى من العصفورية صار جنّةً للطيور التي تجد بين أشجار الصنوبر والمباني التاريخية ملاذاً لها”.

معنى التسمية

في العودة إلى تاريخ “العصفورية”، فهي، وفقاً لما أشار إليه عيتاني “إسم لازمَ مستشفى الأمراض النفسية في منطقة الحازمية منذ زمن بعيد، حتى أن هذه التسمية لم تخلُ في استخدامها من قِبل العامة، إما للإساءة وإما للمزاح، دون الأخذ بالأبعاد الإنسانية والأخلاقية للمكان وللدور الريادي الإستشفائي الفريد الذي كان يؤدّيه ليس على صعيد لبنان فقط، إنما على صعيد المنطقة بأسرها”…

مرضى المصح (الصورة لزياد عيتاني).

وتوقف عند ضخامة حجم المصح، الذي ترسّخ في الذاكرة الجماعية اللبنانية، إذ بات أي مستشفى للأمراض العقلية يحمل اسم «العصفورية». ولفت إلى أن “إطلاق هذه التسمية “العصفورية” على أول مستشفى للصحة النفسية في لبنان، ترتبط بالتسمية الفعلية لمنطقة لبنانية تقع في جوار منطقة الحازمية، عُرفت بأشجارها الكثيرة وعصافيرها المتنوعة، وامتدت على مساحة 130 ألف متر مربع، بعد حصولها على إذن من السلطنة العثمانية، ما ساهم في إطلاق هذه التسمية”. والمهم، وفقاً له، أن “تأسيس مستشفى العصفورية يعود إلى العام 1900، واستقبل أول مريض نفسي في 6 آب من العام نفسه، وأمضى أعواماً عدة فيها حيث خرج في نيسان 1982”.

جانب من المبنى (الصورة لزياد عيتاني).

جانب آخر من المبنى (الصورة لزياد عيتاني).

والدمير مؤسس المستشفى

الدكتور ثيوفيلوس والدمير (الصورة لزياد عيتاني).

وتوقف عند الدكتور ثيوفيلوس والدمير (1832-1915)، وهو مبشر سويسري من كويكر، أسس «مستشفى لبنان للجنون» في عصفورية، بالقرب من بيروت في العام 1898 لتوفير الرعاية للمرضى العقليين في لبنان وسوريا والشرق الأوسط. توسع مستشفى لبنان للجنون تدريجياً، وورد أنه كان يوجد فيه 150 شخصًا في حلول العام 1924؛ 350 شخصاً في حلول العام 1935؛ و 410 في حلول العام 1936″.

في ما خص العمل السريري، أكد عيتاني على أن “المستشفى ساهم في التدريب في مجال الطب النفسي”. قال: “في العام 1922، كان تابعاً للجامعة الأميركية في بيروت، وأصبح قسم الطب النفسي في المستشفى الجامعي”.

الفريق التمريضي في استراحة (الصورة لزياد عيتاني).

وانتقل الى العام 1939، حيث تم الاعتراف بها من قبل الجمعية الملكية الطبية-النفسية كمركز تدريب لشهادة التمريض العقلي”. وأكمل حديثه عن تاريخ “العصفورية”، مشيراً الى أنه “في العام 1948 افتتحت مدرسة للتمريض النفسي، وهي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، والتي استخدمتها فيما بعد منظمة الصحة العالمية لتدريب الموظفين المتخصصين”.

القرميد والطبقات الثلاث

الواجهة الرئيسية للعصفورية (الصورة لزياد عيتاني).

لكنه لفت الى أن “جهة استعمال العقار تغيرت عام 1972، حين استملكته شركة “جفينور “لإنشاء مدينة سكنية عليه”. قال: “آنذاك، بدأت المباني التاريخية يتم تخليتها من المرضى. فعملية التفكيك امتدت خلال الحرب الأهلية، وكان كل «طالب حجر» في منطقة، يجد في العصفورية ملاذه. لم يبق من «المدينة» إلا ثلاثة مبان: أكبرها كان إدارة المستشفى، والثاني والثالث كان المرضى يقيمون فيهما”.

صورة عامة للمصح (الصورة لزياد عيتاني).

وأشار إلى أن “المبنى الأساسي شُيد نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد بني بالحجر الأصفر، وغُطي سقفه بالقرميد. هذا المبنى حالته جيدة، وتحيط به حديقة نمت أشجارها تزامناً مع نمو المبنى”.

أما المبنى الثانى المغطى بالقرميد أيضاً، فلفت عيتاني إلى أنه “يستكين على بعد أمتار من المبنى الأول”. قال: “يعود الأخير إلى خمسينيات القرن الماضي، وكان يُستعمل مستشفى. هذا المبنى بحال جيدة، ويمكن المحافظة عليه”.

صورة قديمة ملوّنة للعصفورية (الصورة لزياد عيتاني).

وانتقل في حديثه الى المبنى الثالث، مشيراً الى أن “هندسته مغايرة تماماً. فيه بهو واسع، تحيط به غرف وأروقة متصلة بعضها ببعض، عبر قناطر من الباطون. سقف المبنى الثالث دمر منذ سنين، لكن الجدران صامدة والقناطر لم تسقط بعد”.

قال: “عملياً، تتطلب المحافظة على هذه المباني طلباً قانونيّاً، إذ أدرجتها المديرية العامة للآثار في الجرد العام منذ العام 2008”.

الحرب…

المكان المنسيّ (الصورة لزياد عيتاني).

ماذا حصل بعد العام 1975؟ أجاب عيتاني أنه “مع اندلاع الحرب التي بدأت في 13 نيسان 1975، وجد المستشفى نفسه في خط المواجهة منذ ذلك التاريخ”. قال: “تسببت الحرب بأضرار كبيرة للبنية التحتية. تعرض المرضى والموظفون إلى الكثير من الإزعاج وعاشوا عدة أيام قلقة”.

تجوال في داخل المصح (الصورة لزياد عيتاني).

وخلص إلى أنه “على الرغم من النداءات للحصول على أموال، بدأت مفاوضات عام 1981 بين اللجنة العامة بلندن واللجنة التنفيذية في بيروت لإغلاق المستشفى والتخلص من الممتلكات وفقًا للشروط القانونية لـ “الوقف”. تم إغلاق المستشفى في العصفورية رسمياً في 10 نيسان 1982″.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد