الرئيسية / مقالات / العزلة في رفقة الخوف

العزلة في رفقة الخوف

حُظِرت على الناس الكنائس والمساجد، في اقصى حالات الخوف التي يلجأ فيها البشر إلى ملاذ الجماعة، غير مكتفين بتضرعات العزلة وصلاة الفرد. والخوف ميراث قديم في البشر عرفوه في مظاهر البدائية، كالخوف من غضبات الطبيعة، أو جنونها، أو خروجها على مألوفها فتُفسد المواسم المعتادة، وتعقم الحقول وتيبس الخضرة والخصب.

وفي البدايات رسمت الكنيسة صورة الخوف المطلق، وهددت العائبين بالجحيم، وشددت العقاب على المجرمين ومخالفي الوصايا. ومن ثم اعادت النظر في تعاليم المسيح وشخصه ورأفته حوالى القرن الثاني عشر، فكان المطهر، حيث يتطهر الخاطىء من معاصيه، وبعدها يستحق استكمال الطريق الى الفردوس.

لكن الخوف، أو النهي لم يتوقف. وقد عملت به الدول غير الدينية، ومن ثم العلمانية. وظهر تحت مسلك اشد رعباً مع الثورة الفرنسية وروبسبير وثيابه الزاهية والمزركشة، الى ان اصبح مع ستالين الفقرة الأولى من النظام، والشكل الأخير من الدستور.

وهكذا، انقسم العالم قسمين، واحد يخاف الديكتاتور ورجاله، وواحد يخاف القانون، وينتسب الى فكرة الحوار والديموقراطية التي تطورت من افلاطون إلى نهايات القرن الماضي، عندما أدت نوافذ البيريسترويكا الى سقوط نظام الرجل الواحد، و”الدركتوار” (القيادة) التي ظهرت في الثورة الفرنسية.

لكن الخوف، بدرجاته وأشكاله، ظل البند الأول في القاعدة. قاعدة الحياة. والذين حُشروا في بيوتهم منذ اسابيع، سجناء بلا قيود، لم يكن كورونا خوفهم الوحيد بل ايضاً الخوف من مخاوفها: الفقر والبطالة والافلاس وإغلاق الشركات، والصرف الاضطراري للعاملين، وفوق ذلك كله انعدام المداخيل الطبيعية والتجارية في ظل انكماش قسري لاقتصادات العالم. ليس كل العالم اميركا، القادرة على ضخ التريليونات، ولا العالم هو الصين، التي تشكّل سوقاً داخلية من مليار مستهلك، بما فيها شوربة الوطاويط!

ولذلك، العالم يخاف. البشر ترتعد. كل معاهد العلوم لم تعثر بعد على لقاح أو علاج. والموتى بالآلاف كل يوم، كأنما العالم على وشك أن يتحول إلى تماثيل من الرماد مثل بومبي، حيث عُثر على كل شيء كما هو، بما في ذلك مفكرة الرجل الذي يكتب ان جاره يضاجع. تملّحت المدينة الملعونة قبل استكمال الشواهد: حلال أم حرام، أم جارة اخرى.

كورونا خبثُها خُبث. حشرت النساء والرجال والجندر، في المنازل، وحظرت عليهم الاقتراب. متر على الأقل، وإلا تفاقمت الفاشية واستعر الوباء. ومنظمة الصحة لا تخدع، اهربوا من المصافحة، إياكم والعناق، اكتفوا بأفلام الكاوبوي التي تمثل فيها دوريس داي افلام الشاويشة. بلاش مسلسلات لبنانية، بلاش keeping up with the Kardashians.

هذه هي الصورة، أو اللوحة، في نهاية المطاف. فما نحن إلا مخلوقات ضعيفة، متشابهة في كل شيء، يجمعها خوف واحد ومعه كل مخاوفه. في اللحظة نفسها نجا مئة الف رجل كانوا سيخطون هذه اللحظة خارج الباب، ولم يفعلوا. مَن يعرف اين هي الآن، أو من حملها دون أن يدري. حتى السيدة ليلى عبد اللطيف تتريث، على ما يبدو، في إصدار اي توقّع في هذا الهول الفظيع.

روى رئيس وزراء بريطانيا هارولد ماكميلان أنه كان قائد فرقة عسكرية في الحرب العالمية الأولى. وكان على الدوام يتصرف امام جنوده بشجاعة وأنفة. وذات يوم وجد نفسه وحيداً بعيداً عن الفرقة: “لم يكن هناك من يراني ولا كان من الضرورة الحفاظ على المظاهر. اخذت ارتجف خوفاً”.

لعلنا جميعاً مثل اللورد ماكميلان في هذه المحنة، معزولون ولنا شجاعة الإقرار بأننا خائفون. خائفون على انفسنا وعلى احبائنا وعلى بلدنا الذي ينزف المزيد من مناعته الاقتصادية والوطنية والقومية، كل يوم. وأحياناً بالساعات. دخل بوريس جونسون العناية الفائقة، فمن خاف على بريطانيا؟ من خاف أن يهجم قائد الوحدات الخاصة على داوننغ ستريت للسطو على الحكم؟ من خاف ان تجتمع المجموعات “لانتخاب” الخَلَف؟ من خاف ان يدخل البلد في فراغ أو صراع أو ثورة؟ كل ما في الأمر أن بوريس دخل مستشفى سانت طوماس، الحكومي، وسوف يلقى العناية مثل أي بريطاني. وأمام المستشفى شرطيان، هما حق بوريس عندما يدخل المستشفى. أما من حيث المواكب، فابحث عنه راكباً على دراجة من سوق الأحد.

لا. لست اقارن. إن لي من الوعي ما يذكِّرني دوماً بعدم الخوض في حماسات التفاهة. لقد علمني الزمن ان الحلم زمن، والحقيقة زمن آخر. وليس لمجرد ان تضربنا كورونا مع بريطانيا في وقت واحد، تصبح المقارنة جائزة بين قوانينها وبين مفسري قوانيننا. أي بالإكراه والزور.

الخوف،على اسبابه، يبئس حياتنا ويغمّها. والانسان العادي لا يدّعي البطولات، بل يتركها للفرسان والشجعان، كما في حكايات الكسندر دوماس، أو تغريبة بني هلال. الإنسان العادي في المجتمع الحديث اطمأن إلى أنه بنى عبر السنين، مؤسسات تتولى عنه المخاوف ودفع الرزايا: الضمان الصحي والاجتماعي، وضمان الشيخوخة، والأمن، والتعليم، والجيش. والحمد لله على الجيش.

لكنّا اقل خوفاً لو تولى الجيش امورنا الطارئة في هذا التأزم، كما تولى توازن الحريات والقانون اثناء الثورة. كنت طوال عمري، وسوف اظل، ضد اي تدخل عسكري في الحياة السياسية، لكن ليس عندما تصبح الطبقة السياسية غير مؤهلة للحفظ الوطني، وحراسة مقام الدولة وأبسط حقوق الناس.

تسليم الجيش ادارة الشؤون الطارئة، كان يمكن ان يقلل نسبة المخاوف التي بدأت تسمّم حياة البلد منذ زمن. وكعادته، تسلم “الجيش الأبيض” مهماته ورسالته مثل “جند الملائكة” و”عساكر السماء”. ما اجمل وما ابهى وما اشجع ما ادّى “الصليب الأحمر” ومؤسسة “عامل” و “مستشفى رفيق الحريري”. ليس في المحنة، بل كل يوم وكل شهر وكل سنة. في هذا المِحل بقيت هاتان المؤسستان: الجيش والجيش الأبيض.

يفيق الطفل باكياً في الليل باحثاً عن أمه، فعندما يلقاها يهدأ. يرتعد من فكرة ألا تكون هناك. أول شيء يعرفه المولود هو الخوف. ثم يتعود فكرة الحضن والعائلة. ويكبر فيتعرف إلى فكرة الأب الذي يوفر الرغيف. ثم يكتشف مخاوف أخرى وسنداً أقوى: الدولة. تلك هي المؤسسة التي تحميه في الخطر الكبير. تحميه من الأوبئة، ومن الذل، ومن الظلم الداخلي والعدوان الخارجي، وإليها يحتكم في قضاياه وإليها يشكو ظلاماته، وبها يحتمي من الغطرسة والاستقواء وشحّ العدالة. الكارثة عندما يفيق ولا يلقاها.

اكتشفنا مع كورونا، أي العالم اكتشف، أن ثمة شيئاً اكثر ارهاباً من الحروب. لكن الفارق الجوهري أن الإنسان يستطيع الشفاء من الأوبئة، أما الحروب فسوف تبقى هوايته القاتلة إلى الأبد. كثيرون يكتبون هذه الأيام أن السلوك البشري سوف يتغير بعد كورونا. سوف يقل الطمع والفجع والحسد، ويدرك الإنسان حقاً معاني قصيدة إليوت الشهيرة (اربعاء الرماد). أنت من التراب وإليه تعود. كثيرون ظنوا الشيء نفسه وهم يعبرون دمار الحرب العالمية الثانية وفظاعتها، وقالوا إن الإنسان بعد كل ما رأى، لن يلمس مسدساً. الذي حدث أنه بين 1945 و 1990 عرف كوكبكم هذا 165 نزاعاً مسلحاً، بينها حربكم طوال 15 عاماً، بين الشرقية والغربية ومنظّري القتل على الهوية.

Twitter: @Samir_N_Atallah

اضف رد