الرئيسية / مقالات / العزف على الرباب في ما هو قطع الحساب

العزف على الرباب في ما هو قطع الحساب

أمضيت من العمر خارج هذا البلد أكثر مما امضيت فيه، وكلما ابتعد المرء زاد حبّه، لأن البعد يزيل التذكارات السيئة ويصطفي المليحة والطيبة منها. وقد تنوّع قدري وسفري بين ما سماه العالم الفرنسي الكبير الفرد سوفي “العالم الثالث”، أي آسيا وافريقيا، واميركا الشمالية واوروبا.

عشت يوميات تلك البلدان مثل أهلها وسكانها. أتابع وأتأثر بكل الشؤون، فهذه سنّة الحياة. أعجبت وتعجبت.أيدت وعارضت. ومن جملة الغربة، ربع قرن في لندن، حيث رزقت ابني وابنتي، واعطينا الجنسية مع رسالة باسم الملكة مثل سائر المواطنين. وفي لندن تبين لنا أن الحقيبة الثانية في الحكومة، المال، التي يسمى حاملها مستشار الخزينة. وفي السنة المالية من كل عام، سواء كان المستشار محافظاً أو عمالياً، يعدّ موازنة الدولة في وقتها، ويرفع أمام المصورين حقيبة جلدية عتيقة، حمراء، معلناً أن تفاصيل الموازنة في داخلها.

ومن ثم يعرض تفاصيلها على الناس والبرلمان. وغالباً ما يعتذر عن اضطراره الى زيادة بنس أو بنسين، على ليتر الحليب، أو ربعية (بطحة البيرة)، وكلاهما من ضرورات الحياة، لا فرق إلا في اللون. والانتعاش.

ومثل كل قادم من العالم الثالث، كنت أضحك في نفسي من حكاية البنس والبنسين، في موازنة بريطانيا العظمى. لكنني عندما سافرت في أوروبا الشرقية، رأيت أن الدولة تدعم قبل أي شيء، البيرة والحليب. يجب أن تتجنب تذمر الناس، مهما كانت حرية التذمر محظورة. إذن، في الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي، ثمة اعتبار واحد: رضا الناس، المعروفين في علم الالفاظ بالشعب.

في خمسة عقود من الأسفار في ثلاثة أرباع العالم، لم اشهد مهزلة مساخرية مثل الحالة المولييرية التي حدثت في لبنان خلال الاشهر الاخيرة. “قبّولة” من الحطب والدخان، وحولها “هنود حمر” يرقصون ويصيحون. والقبّولة هي الدولة. وكل واحد يصرخ فيها، أو من حولها، أو عليها. المتقاعدون يهددونها. آخرون يحاولون اقتحام السرايا. المتظاهرون يهاجمون مجلس النواب كأنه عدو. المير طلال يقرر للقضاء اين يحق له ان ينعقد. الفلسطينيون يطالبون باستقالة وزير العمل، ومافيا الوزارة تطارده. الاحزاب تعامل موازنة وزير المال كأنها، أي الاحزاب، غضب الرب الساطع. فلاسفة السخافات يثرثرون معاً مثل سرب وراور أو وظاوظ. لم يبق أحد – على الاطلاق – لم يرد أن يشارك في وضع الموازنة. أو ما يسمى باللهجة السمجة الغليظة، فذلكتها.

لا شك لحظة في أن اكثر المسؤولين جديّة وجداً واجتهاداً وخلقاً وموضوعية ودراسة وتأنياً وشعوراً بالمسؤولية، في هذه المسخرة الكبرى، كان علي حسن خليل. ولا شك في أنه اظهر أنه من افضل من حمل هذه الحقيبة على مر السنين، والحكومات، وأنصاف الحكومات. وقد اختبأ خلف تواضعه وتعبه، فيما علت أصوات صرارات الصيف من كل مكان. وهي لا تملك أكثر من الصّر، في أي حال.

دلالة المسخرة الكبرى لم تكن السياسيين. فهم قدموا كل ما يمكن من براهين على ذلك. الدلالة كانت، مرة اضافية، في سلوك الرأي العام المتدني، ومدى هشاشته الادراكية، وخضوعه للبهلوانيات اللفظية وسيطرة المسرحيات البائخة.

شرح المريشال النازي هيرمان غورينغ لقضاة المحكمة كيفية اللعب بالناس: “طبعاً، الناس لا تريد الحرب. فلماذا يريد مزارع بسيط أن يغامر بحياته في حرب، بينما الافضل له ان يبقى فيها قطعة واحدة؟ طبعاً، الناس العاديون لا يريدون الحرب، لا في روسيا ولا في انكلترا ولا في المانيا. لكن الزعماء هم من يقرر سياسة البلدان، سواء في ديموقراطية أو في ديكتاتورية فاشية. كل ما عليهم أن يقولوا للناس إنهم معرضون للهجوم، وإن صنّاع السلام والمصالحات يعرّضون البلاد للخطر. إن هذه الوسيلة تنجح في كل مكان، دون خطأ”.

بعض الاحزاب في لبنان لم يكف عن القول إنه يتعرض لحرب كونية: لا اقليمية ولا عالمية، بل كونية، بما في ذلك الكائنات الفضائية، التي تصوّر وفي رأسها انتينات. وسبحان الله كيف انتهت تلك الحرب بمجرد الوصول الى السلطة ومجلس النواب وقانون الانتخاب الذي يوصل نائباً بسبعين صوتاً، ويطعن في نيابة ديما جمالي، دام جمالها.

“وقفوا باعتزاز في جهل عملاق” قال الشاعر الانكليزي جون كيتس، مؤيداً، أو بالاحرى مستبقاً، سعيد تقي الدين وحكاية الرأي العام والبغل. لم يلحظ اللبنانيون، كيف أغرقوا جميعاً في مرحلة أخرى من مراحل العقم المدمر بما سمي الموازنة. سقم واسفاف ومبادلات أهل السوق. نحن الذين رفضنا تسمية الفرد سوفي “العالم الثالث”. اصررنا يومها على أننا العالم الأول. سويسرا وباريس معاً. لسنا عرباً متخلفين ولا قبائل متحاربة، بل نحن فينيقيا وإقليدس ومدرسة الشرائع الرومانية التي ضمها وزير ثقافة الى الباركينغ في ساحة البرج. في المسخرة الموازنتية، جعلتنا الاحزاب واقتراحاتها نشتهي العالم الثلاثين. بعد الألف.

الحد الادنى من مستويات النقاش، والاقصى من ضحالة البديهيات. يا إلهي ما هي خطيئة هذا البلد؟ مجرد موازنة سنوية مثل الكونغو وتوغو وجمهورية ميكرونيزيا، التي رشحنا سفيرتنا في الاونيسكو مديرة عامة بدل غسان سلامة وسيرته ومسيرته في الأكاديميات والأمم.

أربعة أشهر لموازنة بلا موازنات وبلا توازن. قبل 50 عاماً أرسل غسان تويني انسي الحاج الى باريس لتغطية الهبوط على القمر. اختار شاعراً لكي يسبح بمخيلته فوق القفار القمري. هكذا فعلت أميركا: أوفدت الى الحدث نورمان مايلر، أحد كبار كتابها. هكذا فعلت فرنسا وبريطانيا. هكذا كنا نفكر العام 1969. وفي ربيع ذلك العام أرسلني غسان تويني الى ايرلندا، اغطي منفى شارل وايفون ديغول، في قرية سنيم، كاونتي كورك. هناك اليوم 130 مافيا لبنانية حول العالم، ليس من يغطيها.

قبل 50 عاماً، كان لبنان في حالة فكرية ثقافية، تجعل بين هموم واخبار جريدته، وصول عربة الى القمر، بعد 68 عاماً على وصول مخيلة H.G. WELLS المؤلفة ايضاً من رائدين. أو ذهاب شارل ديغول من فرنسا الى بلاد الرذاذ الدائم وحضرته الابدية.

ها هي صحف لبنان تمضي أربعة اشهر تحت عنوان عريض واحد: الموازنة. وسلسلة عناوين فرعية: قطع الحساب في بلاد العزف على الرباب.

اضف رد