الرئيسية / مقالات / العرب بين خذلان الذات وفقدان الصديق

العرب بين خذلان الذات وفقدان الصديق

 


مالك التريكي
Dec 16, 2017
القدس العربي

 

«تل أبيب، القدس: إجازة واحدة ومدينتان. احجز رحلتك الآن». تجاور هذا الإعلان السياحي في بعض الصحف البريطانية، في الأيام الماضية، مع تقارير كثيرة عن رفض معظم الدول الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. تقارير كثيرة حمل بعضها عناوين مثل: محمود عباس يعلن أن أمريكا لم تعد أهلا للوساطة في عملية السلام؛ الفلسطينيون، مسلمين ومسيحيين، يتّحدون في النقمة على ترامب؛ أردوغان يعلن أن أمريكا شريكة إسرائيل في سفك الدماء؛ كتّاب وممثلون وموسيقيون غربيون ينددون بقرار ترامب بشأن القدس؛ أوروبا تبلغ نتنياهو أنها لا تقبل قرار ترامب؛ ماكرون يقول لنتنياهو إن قرار ترامب يهدد السلام؛ الساسة الفسلطينيون يعتزمون مقاطعة أي اجتماع مع ترامب احتجاجا على قراره بشأن القدس، الخ.

تقارير إخبارية وتعليقات صحافية كثيرة تسبح في فلك، بينما يسبح إعلان «تل أبيب، القدس: احجز رحلتك الآن» في فلك آخر. ورغم ذلك، فإن هذا الإعلان السياحي النشاز يجاور (بل يخاصم)، على الصفحات ذاتها في الجرائد ذاتها، تلك التقارير والتعليقات التي تناقضه، معنى وقيما، وتشهد بسماجته البالغة حد البذاءة.
إلا أن هذه صورة عن حقيقة الموقف العالمي. القدس، وقضية فلسطين بأسرها، هي مجرد خبر يسبقه ويلحقه خبر. ويعلو فوق هذا كله، ويسوده ويتسيّد عليه، إعلان تجاري. أما التناقض الحاصل في هذه الحالة، بين مضمون الإعلان ودلالة الخبر فليس مما يدخل في نطاق المدركات الذهنية، ناهيك عن أن يكون من النقائض الأخلاقية الباعثة على مراجعة النفس وعذاب الضمير. ولكن هذا، على ما فيه من ألم ممضّ لنا نحن العرب، ليس هو الواقع الأشد إيلاما. بل إن الواقع الأقبح والأوخم والأوجع للنفس العربية هو أننا قد فقدنا جميع أصدقائنا الذين كانوا يساندون قضايانا الوطنية والقومية. فقدنا جميع الدول الإفريقية تقريبا. كما فقدنا نصيرينا الأكبرين في حركة عدم الانحياز: الهند والصين. ونعلم علم اليقين أننا لم نفقد صداقة هذه الدول بسبب خبثها وقلة مروءتها أو تألّبها المفاجئ علينا، وإنما فقدناها بسبب خذلاننا نحن لأنفسنا وتحولنا إلى أسوأ سفير، بل إلى ألدّ عدو، لقضيتنا. لهذا تخلى الجميع عنا. ولا يغرنّك ما يقوله المجتمع الدولي، في ترداد للغة خشبية مقيتة، عن الشرعية الدولية وحل الدولتين، الخ.، فما ذاك إلا كلام معقّم معلّب وجاهز للاستخراج من أسفل الأدراج كلما لزم الأمر.
وليس أدلّ على هوان شأننا نحن العرب على بقية الأمم – بسبب خيانتنا لأنفسنا وإصرارنا على الفرقة والتشرذم وقدرتنا الفائقة على كره بعضنا بعضا، وبسبب تفنّن حكامنا في تقطيع أوصال أوطاننا وتشريد شعوبنا وتبديد ثرواتنا – مما يرويه معلق الفاينانشال تايمز غيديون راخمان في الكتاب الذي أصدره العام الماضي بعنوان «الشرقنة»، والذي يحلل فيه نهاية خمسة قرون من الهيمنة الغربية على العالم ويتتبع مسار بداية صعود الشرق، ممثلا في كوكبة من الدول الآسيوية التي أخذت تستجمع عناصر القوة والثروة. عن الهند: يقول الصحافي البريطاني إنها كانت معروفة بتأييدها للقضية الفلسطينية، ولكن التناغم مع إسرائيل (بسبب مخاطر «الإرهاب الإسلامي») قد صار هو سيد الموقف بعد مجيء مودي للحكم أواسط 2014، حيث كانت إسرائيل هي أول دولة يزورها وزير الداخلية الهندي الجديد عامئذ. كما أن الهند فضلت شراء صواريخ سبايك الإسرائيلية المضادة للدبابات على صواريخ جافلين الأمريكية.
أما العلاقة المتينة التي لا تنفك تتعزز منذ أعوام بين الصين وإسرائيل، فهي قائمة على انبهار الساسة وأرباب الصناعة الصينيين بالمنجزات الاسرائيلية في مجال التكنولوجيا الفائقة. فقد استثمرت الصين عام 2013 في إسرائيل لوحدها ما لا يقل عن 7 مليارات دولار! ولأن قادة بيكين يحذقون فن الملاطفة والمجاملة، فإنهم يكثرون من التذكير بأن الصين وإسرائيل أمّتان وريثتان لثقافتين عريقتين وأنهما تتقاسمان الحرص على إعلاء شأن العلم والتعليم. كما يبدو أن كلا منهما يقدّر للآخر إعراضه عن الخوض في مسائل السياسة وحقوق الإنسان. حيث أن أحد مساعدي نتنياهو، ممن كانوا معه أثناء زيارة رسمية إلى الصين، قال للصحافي البريطاني «لقد استغرقت مباحثاتنا مع القادة الصينيين سبع ساعات. هل تدري كم خصصوا من الوقت لموضوع الفلسطينيين؟ حوالي عشرين ثانية».

٭ كاتب تونسي

اضف رد