الرئيسية / مقالات / العراق ولبنان مرحلة جديدة في وعينا السياسي!

العراق ولبنان مرحلة جديدة في وعينا السياسي!

 مريم مشتاوي 
القدس العربي
02012020
https://www.alquds.co.uk/

حملة التضامن التي تشهدها الفلوجة في العراق، والدعوة إلى إعانة المحتاجين والفقراء والمعوزين في لبنان، دليل على أن هناك وعياً جماعياً بضرورة الارتقاء بالذات العربية من صيغة الطائفية والانغلاق الذاتي حول الأنا إلى الإنسان الشامل الذي توحده الجراح نفسها والهموم والتطلعات.
هكذا يستثمر “مطبخ الخيرات” في الفلوجة هذا الوعي الجمعي ليؤسس فضاءً للتآلف والإخاء وأخذ القوي بيد الضعيف.
لم تتوانَ شبكات التواصل الاجتماعي وبعض القنوات التلفازية العراقية عن تداول مبادرة “مطبخ الخيرات” الذي يعتبر من مفاخر المواطنين العراقيين.
إن الرغبة في إطعام الجائع وإلباس العاري وإيواء الشريد ومساعدة المريض، كلها إرادات تنبع من عزيمة موحدة لرص الصفوف من أجل أفق مخالف يغاير الكينونة السابقة للمجتمعات العربية.
في هذا الاتجاه يعتبر أيضاً برنامج “نحنا لبعض” الذي تعرضه قناة “أل بي سي أي” في لبنان كل يوم قبل الأخبار بمناسبة الأعياد، إضافة أخرى تصب بدورها في هذه الحركية التضامنية الكبرى، التي تشمل كل الفئات الاجتماعية المتضررة كالفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.
فضيلة التضامن هذه التي تعكسها الشعوب العربية بعد انتفاضاتها الميمونة إشارة قوية إلى الإصرار على مواصلة النضال والاحتجاج من أجل تحقيق كرامة حقيقية تشمل كل المواطنات والمواطنين في بلداننا، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية.
وهذا ليس جديداً، فهذه الفضيلة خصيصة بارزة من خصائص الإنسان العربي، الذي لم ينظر تاريخياً إلى ذاته باعتبارها ذاتاً مستقلة عن الآخرين، بل جزءاً من كل شامل. ولعل أفضل من عبر عن ذلك الشاعر الصعلوك عروة بن الورد في بيته الشهير:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد
إن الثورة تولد من الحاجة إلى التغيير، وسعي الإنسان إلى أن يكون على النحو الذي يتطلع إليه. وحتى يتحقق أفق انتظاره، هو يشتغل حتى بلا وعي عبر آلية التضامن والتكافل الإجتماعي، التي قد تخفي جوهر الدولة الأتوقراطية. ولهذا السبب، فإن الوعي الاجتماعي وحده لا يكفي، ولا بد من تغذيته، حتى تنجح الثورة – أية ثورة – بوعي سياسي يساعد الناس على إدراك الأسباب الحقيقية لبؤسهم الاجتماعي والحياتي. وإذا ما توحد هذان الوعيان، فإن مآل الدولة الأتوقراطية لا بد أن يكون التداعي ثم السقوط.
إن السؤال المطروح كيف نستثمر في العراق ولبنان انسجاماً مع المبادرات الإنسانية التي توالت منذ بداية الثورتين مزيداً من الوعي السياسي، الذي يؤكد على مسألة التغيير والديمقراطية والحداثة كخيار استراتجي لا محيد عنه، كما في الشعار الذي رفعه العراقيون: نريد وطناً؟
لا يكفي أن تقف الشعوب عند التضامن الاجتماعي الذي يقوم على منطق الفقير والغني، والمحتاج والمحسن. وهذا ما وعاه الشعبان العراقي واللبناني لأن عدم الانتباه إلى هذه الإشكالية يدفع الشعوب إلى القبول الضمني بالتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. وهو أمر لا صلة له بأفق المجتمع المختلف الذي تكون فيه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية عمقاً للمصالحة ما بين المجتمع والدولة.
حين قال ماو تسي تونغ مقولته الشهيرة: عليك أن تعلم شعبك كيف يصطاد السمكة لا أن تعطيه سمكاً، كان يقصد ضرورة اعتماد الشعوب على نفسها عوض أن تعتمد على غيرها.
وأهمية الثورتين العراقية واللبنانية تكمن في وعيهما أن الهتاف والصراخ لن يحققا تغييراً جذرياً مأمولاً ومن هنا يحاول الناشطون في هاتين الثورتين رفع الوعي الاجتماعي عند عموم الناس إلى وعي سياسي، كما كشفت الاحتجاجات التي رفعت سقف مطالبها، من أجل بناء مقومات دولة حقيقية توفر لمواطنيها شروط العيش الحر.
إن الاكتفاء بالتضامن الاجتماعي على حساب الوعي السياسي، هو قبول ضمني باللاعدالة الاجتماعية.
نعم للتآزر والإيثار والإخاء، كما يحدث الآن في العراق ولبنان. ولكن إنضاج الوعي السياسي لدى الشعوب هو المطلوب تاريخياً، من أجل الوصول إلى عقد اجتماعي جديد يهدم أساس الدولة الأوتوقراطية، ويمهد لنشوء الدولة الوطنية.
إن الأساس السياسي للتضامن بما يعنيه من إيجابيات خاصة على المستوى الاقتصادي ينبغي أن يتم داخل دولة تجعل من الأفراد قيمة قصوى في عملية اشتغالها وتواصلها مع مجتمعها. وعليه فآلية التضامن ينبغي أن تكون داخل هذا التعاقد بين الدولة الوطنية والمجتمع.
ما نخشاه هو التركيز على حملات التضامن هذه في شكلها البسيط، لأنها لا تعمل سوى على تهدئة الغليان الاجتماعي على حد تعبير كارل ماركس، وتزيح للخلف مهمة إنجاز وعي سياسي، هو شرط الثورة الحقيقية. ومثلما أثبت تجارب التاريخ، فأن التضامن الاجتماعي، كهدف بذاته، له انعكاساته السلبية البالغة الضررعلى إنضاج الوعي السياسي، كما أن الليبرالية المتوحشة تستفيد من كل عمليات التضامن التي لا تتخطى أبداً وعيها الاجتماعي، لأنها لا تشكل خطراً عليها، بل هي عبارة عن مسكن ومخدر للفئات الاجتماعية المعوزة والفقيرة.
وهذا ما نبه إليه الفيلسوف الفرنسي الماركسي لوي ألتوسير بتأكيده على ضرورة الحذر من مخاطر التضامن الاجتماعي الذي يخدم الدولة عبر استيلاب الفئات الاجتماعية المسحوقة طبقياً.
وهنا نتساءل هل سيلعب المثقفون العرب دورهم العضوي بلغة غرامشي ليساهموا في تحويل الاحتجاجات العفوية التي يشهدها أكثر من بلد عربي إلى فعل سياسي يهدف إلى تغيير جوهري في بنية المجتمات العربية أم أنهم سيكتفون بالتفرج على الأحداث المتلاحقة من أبراجهم العاجية؟

*كاتبة لبنانية

اضف رد