العام 25 على رحيل شيخ العقل محمد أبو شقرا… ونصبٌ تذكاري في الذكرى

قلَّة هم الأشخاص الذين يدخلون التاريخ ويطبعون مراحله، ليصبحوا والتاريخ جزءاً غير منفصل إنْ تمكنوا من ترك بصمة وإنجازات تفيد الأجيال التي تليهم. محمد أبو شقرا شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز علمٌ من أعلام لبنان على الصعيد السياسي والديني والاجتماعي وحتى الصحي. فأفكاره ساهمت في تطوير قطاعات عدَّة، وخفُتَ هذا التطور برحيله بعدما وافته المنية يوم الخميس 24 تشرين الأول من العام 1991، حتى قال البعض إنَّ “الزمن توقف عنده”. 25 عاماً مرت على رحيله، فقررت بلدية عماطور، مسقط رأسه، تكريمه في حفل سيجري يوم السبت 20 أيار الجاري في قصر الأونيسكو يسبقهُ إزاحة الستار عن مجسَّم يخلِّد ذكراه في منطقة وطى المصيطبة في بيروت.

نبذة عن حياته

ولد الشيخ محمد أبو شقرا في 2 آذار عام 1910 في بلدة عماطور الشوفية. درس في مطلع شبابه في مدينة دمشق، وشارك في الثورة العربية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش بين عامي 1925 و1927. بتاريخ 27 نيسان 1949 جاء في بيانٍ للنائب كمال جنبلاط: “بناء على دعوة الهيئة الروحية الممثلة بشخص سماحة الشيخ محمد عبد الصمد شيخ عقل الطائفة، وهي بادرة طالما تطلَّبتها الطائفة بأن تستقل الهيئة الروحية بانتخاب من يصلح لهذه المراكز الكبرى فيها، وبعد تفويضنا لاستمزاج آراء مشايخ الدين تسهيلاً لعملية  الانتخاب، أظهر الاستمزاج مما تيسر لنا الاطلاع عليه من الآراء، رغبة من فئة غير قليلة من الزمنيين واتجاهاً كبيراً لمشايخ الدين بتأييد الشيخ محمد أبو شقرا”. الخامس من حزيران من العام نفسه، كان موعد انتقال الشيخ محمد أبو شقرا من دمشق إلى الشوف، تحرَّك الموكب من البقاع في اتجاه بلدة عين دارة، وتابع سيره إلى بلدة عين زحلتا ثم كفرنبرخ، ووصل إلى المختارة حيث تواجدت الوفود من مختلف المناطق اللبنانية ومن قرى الشوف المجاورة. وألقى يومها جنبلاط خطاباً أعلن فيه تأييده الكامل لانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ محمد أبو شقرا، وقد وردت هذه الفقرة في خطابه: “إنه ليس من واحد في لبنان له على الشيخ محمد أبو شقرا أي فضل في انتخابه، بل مؤهلاته هي التي جعلت هذا المنصب يطلبه ويسعى إليه”.


مقره في دمشق كان يلقب بـ”قنصلية لبنان”، وقد تميِّز بالحكمة والذكاء وسرعة البديهة خصوصاً أنَّه درس القرآن واطلع علی القانون لكونه رئيس المحاكم الدرزية. شعاره كان “لا طائفة لنا إلاَّ الحق، ولا دين إلاَّ التوحيد، ولا نور إلاَّ اليقين”. في عهده إنجازات عدَّة تحققت أبرزها: تنظيم شؤون الوقف الدرزي اللبناني، وتنظيم قانون مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز، وتنظيم شؤون القضاء المذهبي الدرزي، وتأليف المجلس المذهبي للطائفة الدرزية في لبنان سنة 1962. إلى جانب، إنشاء دار الطائفة الدرزية في بيروت، وإنشاء المؤسسة الصحية الدرزية في عين وزين سنة 1989، وإنشاء بلدة المعروفية قرب عين عنوب لإيواء مهاجري جبل الدروز. كما وحَّد مقام مشيخة العقل بعد أن كانوا ثلاثة تتلاعب بهم أهواء السياسيين، وفي عهده تمَّ تنظيم وأرشفة سجلات الطائفة بعدما كانت سائبة. وقد تدخَّل بذكاء واقتدار في السياسة المحلية ضمن سياسة وطنية محقة. وحضن سياسيي الطائفة ورجالاتها وكان علی مسافة واحدة من الجميع. كما نظَّم طقوس المذهب منها صلاة الميت وغيرها.



إلى ذلك، سخَّر مجلة “الضحی”الشهرية لإبراز حقوق الطائفة المهدورة ضمن وظائف الدولة محملاً سياسيي الطائفة الدرزية مسؤولية تضييع الحقوق بسبب خلافاتهم، وقد استعمل أسلوب الإحصاء العلمي لتبيان الحقائق. وعمل علی تطوير الاطلاع علی الدين بشكل لا يُعرِّض الدين للإسفاف ويسهل الأمر علی طالبيه. كما ساهم سماحته في لعب دور المصلح والوسيط في أكثر من قضية وطنية عربية وإسلامية. وبعد استشهاد جنبلاط الأب، ألبس شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز محمد أبو شقرا عباءة الزعامة لوليد جنبلاط كرمزٍ لمبايعته.

السمو والترقي نحو الأعلى

وتخليداً لاسمه بعد مرور 25 عاماً على رحيله، ارتأت بلدية عماطور إقامة نصب تذكاري في نطاق بلدية بيروت بإسم “شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز سماحة الشيخ محمد أبو شقرا”، نصَّ عليه القرار رقم /30/ الصادر عن وزارة الداخلية والبلديات بتاريخ 7 نيسان 2017. تشرح عضو بلدية عماطور ومصممة النُصب التذكاري المهندسة الداخلية ومهندسة الحدائق والمعالم الطبيعية هلا أبو شقرا في حديث لـ”النهار” أنَّ “اللقاء الثقافي في عماطور طرح فكرة تكريم سماحة الشيخ ضمن منحى مرور 25 عاماً على رحيله، وعلى اعتبار أنه لم يأتِ شيخ عقل مثله حقق إنجازات مختلفة. وبعد طرح الفكرة وجدنا أنَّه قبل عام 2008 يحمل شارع في منطقة وطى المصيطبة في بيروت اسم سماحة الشيخ. تكفلتُ بالأبحاث وخطر في بالي تصميم نصب نموذجي لافت ويليق بمقام شيخ العقل، أن يكون متجرداً، أي بلا تكلُّف أو زخارف أو رموز. استوحيت الألوان من الزي الديني للمشايخ، ألا وهما الملابس السوداء واللفة البيضاء التي تنمُّ عن الصفاء والنقاء والفكر العميق. انطلقت من هذا التفصيل، بأنْ يكون المجسم عبارة عن قاعدة صلبة من حجر الغرانيت باللون الأسود التي تعني الصلابة والمتانة، يعلوها حجر من اللون الأبيض من رخام الكرارة الذي يرمز إلى صفاء الروح والنفس، وفي وسط المجسم إنارة تتوجه من القاعدة إلى السماء، أما رمزية الارتفاع فتضفي معاني السمو والترقي نحو الأعلى (5.40 أمتار). لأنَّ الضوء بنوعٍ خاص رمز للوحدة الإلهية، فضلاً عن أن الطبيعة التي يعيش في كنفها تمتلىء نوراً وضوءاً. والمجسم مؤلف من أربعة أجزاء تمثل الكونية، النار، والنور والهواء الماء.

وتضيف: “في التقاليد الدرزية عملية الشخصنة محرمة، لذلك لن يكون تمثالاً بل نُصباً. وتبرع النحات الشيخ صلاح نبا باليد العاملة، فيما مولت بلدية عماطور هذا النصب الذي ستتم إزاحة الستار عنه بحضور ممثلين عن وزارة الداخلية والبلديات، وبلدية بيروت، إلى جانب المرجعيات الدينية كافة والوجوه السياسية البارزة. كما أنَّ مدرسة العرفان تحضر شريطاً مصوراً سيعرض في حفل التكريم في قصر الأونيسكو. ونعمل كبلدية على تحضير كتابٍ عن حياته ومسيرته لأبناء قريته”.

فقدَ الموحدون الدروز برحيل الشيخ محمد أبو شقرا ركناً من أركانها، ورجلاً من رجالات الوطن لتبقى إنجازاته خيرَ صورةٍ ومثال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*