الرئيسية / مقالات / العالم يمارس الجنس كأنه بلا غد

العالم يمارس الجنس كأنه بلا غد

رشا الأطرش|الثلاثاء14/04/2020
Almodon.com

“في ظروف الحجر والعزلة، يبدأ الدماغ والسلوك البشري بمحاكاة سُبات الحيوانات في الشتاء”، وفقاً لبحث جامعي جديد. العيش في كنف ضوء مقنن، ومحفّزات بيئية محدودة، يدفع الدماغ إلى الإبطاء، إلى العمل في حدوده الدنيا لحِفظ طاقته، تماماً كما يتمسّك الجسد بدهونه حينما يستشعر حالة تجويع. ويحكي الباحث لورنس بالينكاس، المتخصص في دراسة التأقلم النفسي مع البيئات القصوى، عن نَظرة من نوع معين، لوحظ تبادلها بين دارسي الحياة في القطب الجنوبي خلال فصل الشتاء القاسي والمظلم. هو ما تقوله عيون البشر المتساقطين عن حواف الحوار، حتى الأحاديث بسيطة. ولهذا “اللامحكي” تسمية: “نَظرة القطب الجنوبي” (The Antarctic Stare).


التبلّد الذي نشعر به، الذهني والجسدي، والذي ينكره بعضنا أو يستسلم له، ويقاومه البعض الآخر كسبيل للصمود، بات له توصيف. السيقان التي لا تعود تطاوع أصحابها، الأجسام العالقة في تكاسلها الإجباري. الأفكار المبتورة في الرأس، وقبل أن تخرج من الأفواه. المحادثات المتقلّصة بين المحجورين سوية. حالات “قُطبية” على ما يبدو. والطريف أن نظرية بالينكاس أعلاه، تَرِد في متن مقال بعنوان “كيف لا تكره بالكامل الأشخاص الذين حُجِرتَ معهم”، ضمن سلسلة من المنشورات المتوالية مؤخراً، والمنتمية إلى نوع “علم النفس الشعبي” و”الدعم الذاتي” الرائجة موضته منذ أكثر من عقد، كُتُباً وفيديوهات ومقالات، كلمتها المفتاحية: “الإيجابية”. أضف إليها النصائح واقتراحات النشاطات لملء أوقات الأطفال المحجورين ومساحاتهم. تلك التي تُرفَق بصُور أمهات جذابات (عاملات؟ من البيوت؟)، وإن تخففن من المكياج وأناقة المكاتب، وفي خلفيتها مقتطفات بصرية من بيوت انقلاباتها لطيفة، ضجيجها مقونن ومضبوط، لا تخلو من الفوضى الطفولية  الفاتنة، لكنها دوماً “فوضى خلاقة”، وقد نتجرأ على القول أنها مرتّبة أيضاً.. وهذا طبعاً هو الواقع المنحول، شأنه شأن صور الإعلانات التي تُظهر عارضات بأجساد خرافية منغمسات في ما يُراد لنا استهلاكه من شوكولا أو بوظة كاملة الدسم.

ولعلنا، في هذه العزلة، وبانقطاعنا شبه التامّ، عن الخارج وناسه وأشيائه، أصواته وتنبيهاته وبصريّاته، نعود إلى بدائية ما. نُقارَن بحيوانات السبات الشتوي. لكننا أيضاً، قد نحاول إدراك ما نعيشه بقراءة شهادات ممهورة بالحداثة وما بعدها: مدونات رواد الفضاء، ومَن مروا بتجربة الخطف والاعتقال، وأصحاب الأمراض المزمنة أسرى بيوتهم بعدما تطوّر الطب بما يكفي لإبقائهم أحياء. وفيما نهجس بغسل اليدين، وتعقيم المشتريات والأحذية والنظّارات والمفاتيح، وفيما تزدحم دواخلنا بتلك الأفكار المجهرية اليومية عمّا لمسناه أو لم نلمسه أو سنلمسه، نستخرج أدبيات الوسواس القهري.. شخصياً، لم تخطر في بالي، طوال الأسابيع الماضية، أفلام الأوبئة والكوارث، بقدر ما سكنتني شخصية جاك نيكلسون في فيلم As Good As It Gets، وذاك المشهد الطويل عن استعداده للنوم الذي لا يتمكن من الاستغراق فيه إن لم يكن خُفّاه المنزليان موضوعَين بطريقة مثالية قرب سريره.

ثم نتصفّح تاريخ الحروب الكبرى، ليستوقفنا ما يتجاوز شحّ الموارد والبضائع، التخزين والقلق، التصدي الفردي والجماعي للموت الحاصد، وتوقّف عجلات العالم. فنجدنا نتعمق في تفاصيل من قبيل كيف كان الجيش الأميركي، خلال الحرب الثانية، يؤلّف فِرق الغواصات وفقاً لمدى قدرة أفرادها على رفد حاجاتهم النفسية في ما بينهم، فهؤلاء سيقاتلون محجورين معاً في كبسولة هواء مجهزة بأحدث تكنولوجيات ذاك الزمن، في عمق البحر، ولا شيء يمتحن التوافق مثل هذا الظّرف. نحن أيضاً فِرَق محجورة، عائلات صغرى دون فروعها، وعوالم فردية مُقَزّمة، مع الانترنت وهواتفنا وتلفزيوناتنا الذكية. نتواصل مع أهل وأصدقاء عبر شاشة، ونتواطأ مع غرباء السوبرماركت على حربنا الباردة مدجّجين بالكمّامات والقفازات ومسافة المتر الآمن.

ها نحن نعود إلى كينونتنا الأمّ بنسخة جديدة، مع تكنولوجيا الألفية الثالثة وقِيمها. منذ أسابيع، والحَجر المنزلي يعمل على عدّاداتنا ليُرجعها إلى الصفر، صِفر العام 2020. الجنس يتصاعد، كما لم يفعل منذ عقود. زيادة ملحوظة في مبيعات الألعاب الجنسية، والواقيات الذَّكَرية، وحبوب الفياغرا ومنع الحَمل. وارتفاع لافت في عدد مستخدمي مواقع البورنوغرافيا، وتطبيقات المواعدة، بل والمواقع الموجّهة للمتزوجين الباحثين عن علاقات جانبية… أي كل ما يلزم لاستنهاض وإشباع الرغبات – ثنائية كانت، أو أكثر، أو أقل. الأرجح أن البشر، منذ أسابيع، ينغمسون في الجنس، في ممارسته وتهويماته، كما لو أنهم بلا غد. ولو كان العالم سريراً كبيراً، لربما استحالت الغفوة مع كل هذا الصرير.

الاستنتاج الأوليّ يقول إنها ماكينة الغريزة، من أجل البقاء وحِفظ النوع البشري في الأزمات المُهدِّدة للوجود. بيد أنها اليوم مضبوطة على إيقاع المتعة وتجزية الوقت المستطال، لاستسقاء هرمونات السعادة والرضى، علّها تُلطّف المحنة وتبلسم المخاوف وتضمّد القلق. لكن، لا “انفجار ولادات” متوقعاً بعد سنة، بحسب الخبراء، خلافاً لجيل Baby Boomers الذي أنتجته الحرب العالمية الثانية طوال عقدين بعد انتهائها. هو اللايَقين الذي يلغي فكرة “فلنصنع طفلاً”. الحاضر والمستقبل الغائمان، اقتصادياً وصحياً واجتماعياً. واليوم، البشر يقررون: الجنس للجنس، لحِفظ النّوع عقلياً ونفسياً.

وتتكاثر أيضاً حالات العنف الأسري. الخطوط الساخنة تلتهب في أنحاء الأرض، والأرجح أن الإحصاءات والحالات المسجلة أقل بكثير من الواقع، والمعنفون/المعنفات محجورون مع معنّفيهم. العنف مكوّن بشريّ أصيل.

وترتفع نسب الطلاق. في الصين أرقام واضحة بعد رفع الحجر، وحول العالم بوادر أرقام جديدة. فسخ عقود العيش المشترك والمؤسسات العائلية، من سمات الإنسان الأول بعد كورونا. هو الذي، خلافاً لأخيه القديم باني الجماعة ومُشيّد الاستقرار، فُرضت عليه اللُّحمة العائلية بأكثر أشكالها ضغطاً على التوق الأصيل لأن “يكون”، فقط يكون. ويحتار في ما له الغلبة على هذا “الكَون”: الاستئناس بالأحبة الأقربين في حقبة الوحدة القسرية؟ أم اختناق الحيز الخاص بالحضور المديد والدائم لشركاء العيش والسكن؟ ثم ينتبه إلى أن الحيز العام، أي الشارع والمقهى ومكان العمل والمواصلات والسيارات، كان يمد كلاً منا بحيّزه الخاص. وحين أقفل هذا الخارج، فَقَدنا، في بيوتنا، شيئاً من خصوصياتنا، من حميمياتنا الفردية. البيوت التي كنا مقيمين فيها، نرجع إليها من الخارج مُحمّلين بأخبار وحكايات، بمختلف المشاعر والتجارب والجديد اليومي، ثم نرتاح فنستسلم للنوم.. بتنا نعيش فيها، كامل العيش، أي الإقامة التي بلا خارج، حيث صحوُنا ونومُنا سُبات، قد تتخلله كوابيس الفيروس المتوّج أو “نظرات القطب الجنوبي”.   

اضف رد