العالم يخشى الحرب ويفتش عن نظام جديد

طهران (أ ب).

منطقة الشرق الاوسط تضج بطبول الحرب، وقارع الطبل هو الرئيس الاميركي الذي تجاوز كل التفاهمات الدولية حول التبادل التجاري ووسع مفهومه لسريان القرارات الاميركية على بقية الدول، واصبحت القيود التي يفرضها سارية على غالبية الدول شاءت ذلك أم أبت.

في المقابل، أوروبا البعيدة من مناخ الحروب باتت معرضة لانهيار أكبر تجمع اقتصادي شهد العالم نموه وتطوره منذ عام 1956 حينما انجز اتفاق التسهيلات الجمركية وانشاء منطقة جمركية موحدة تجاه الغير نتيجة اتفاقات روما. واليوم الاتحاد الاوروبي الذي جمع الدول المختلفة المناهج، أصبح مهددًا بالانفراط بعد توسع ضم عشر دول شيوعية الى 17 دولة منها دول اشتراكية وأخرى دول تتمسك بالنظام الرأسمالي وحرية التبادل التجاري والاستثمار.

أوروبا هذه تواجه الانفراط بعد استفتاء أجري في بريطانيا عام 2016 حول رغبة البريطانيين في الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي أو الانسحاب منه، ومن اختاروا الانسحاب كانوا يمثلون 52 في المئة ممن شاركوا في الاستفتاء، وكانت ثمة شكوى من ان المعلومات التي وفرت لهؤلاء كانت هزيلة وكان المطلوب تصويت واحد، مع أو ضد. ورئيسة وزراء ريطانيا حاليًا كانت مع الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي لكنها اختارت ان تتبنى ارادة الشعب كما قالت.

معلوم ان رئيسة وزراء بريطانيا قدمت اقتراحات متنوعة حول مجرى المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وقضايا البحث وبدأت بريطانيا تشهد خلال السنوات الثلاث المنصرمة تشنجًا في العلاقات السياسية، وحقق حزب العمال انتصارات انتخابية لم تكن في الحسبان، واخفقت تيريزا ماي على ثلاث دفعات في الحصول على موافقة غالبية أعضاء مجلس العموم على ثلاثة مشاريع للاتفاق مع الاتحاد الاوروبي على كيفية الانفصال، وحصلت على موافقات على تمديد مفاوضات الانفصال، لكن الاحتراز الاوروبي انقضى واصبح قرار الانسحاب أو الاستمرار في عضوية الاتحاد أمراً ملحاًً.

تعاظمت أصوات النواب المحافظين في بريطانيا في طلب استقالة رئيسة الوزراء لاخفاقها في نيل موافقة على أي من ثلاثة مشاريع للانفصال قدمتها وكانت تسعى الى الاتفاق مع زعيم حزب العمال جيريمي كوربن، الذي كان ولا يزال يحبذ الاستمرار في الاتفاق على وحدة جمركية وقد فشلت هذه المحاولة أخيرًا.

اتجهت رئيسة وزراء بريطانيا نحو تفحص فرصة النجاح في الحصول على اتفاق مع غالبية اعضاء البرلمان إن أقدمت على اجراء استفتاء جديد. فالواقع ان بريطانيا خسرت نسبة كبيرة من دورها الرئيسي في أوروبا في اسواق المال، أي تعاملات البورصة ونشاطات مصارف الاعمال الدولية الاميركية والسويسرية والالمانية والفرنسية انطلاقًا من بريطانيا، وصناعة السيارات باتت مهددة بعدم القدرة على الاستمرار اذا كان الانتاج سيخضع للرسوم الجمركية في السوق الاوروبية، وفي الوقت ذاته انخفض سيل الاوروبيين القادمين من بلدان شيوعية سابقًا للعمل في بريطانيا وخصوصاً من بولونيا. والواقع ان العمالة الاجنبية كانت الحافز الاساسي لتصويت البريطانيين في الاستفتاء الاول عام 2016 على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

وتواجه رئيسة وزراء بريطانيا حالياً مطالب من حزبها ومن حزب العمال بالاستقالة لانها لم تتمكن من صوغ اتفاق على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي تؤيده غالبية أعضاء البرلمان، واستمرارها في رئاسة الوزراء مع اقرار اجراء استفتاء لا يمكن تقبله. ومن المرجح في حال اجراء استفتاء ان تكون نسبة المؤيدين للاستمرار في العضوية اكثر من نسبة المعارضين التي ظهرت عام 2016. ولا بد هنا من الاشارة الى مشروع اتفاق بين فرنسا وهولندا والمانيا على انجاز تشريع يسهم في تشجيع اسواق هذه البلدان على وراثة دور بريطانيا السابق في المعاملات والعمليات التمويلية الدولية، واقرار هذا التشريع يعني ان عودة بريطانيا الى الاتحاد – وبريطانيا حتى تاريخه لم تنسحب من الاتحاد – لن تسترجع المؤسسات المالية التي اسست مكاتب اقليمية لها خارج بريطانيا، سواء في ايرلندا أو المانيا أو فرنسا. وربما دفع الخوف من تعاظم قوة الاحزاب اليمينية في فرنسا وايطاليا وأسوج والنمسا الاوروبيين الى تشجيع بريطانيا على الاستمرار في العضوية بعد انجاز الاستفتاء، ودعوتها للانضمام الى مشروع فرنسا والمانيا وهولندا لتشجيع الاسواق المالية.

مقابل الاوضاع الاوروبية غير المستقرة، ومخاوف الحرب في الشرق الاوسط، نجد ان الشرق الاقصى يتحرك مع مشروع الصين لاحياء ما يسمى طريق الحرير بحرًا وجوًا، وقد عقد اجتماع موسع في الصين اواخر شهر نيسان للبحث في هذا المشروع وابعاده، حضره رؤساء 40 دولة وشاركت فيه مؤسسات دولية الى 5000 شخص من 150 دولة.

وقد خاطب الرئيس الصيني ممثلي الدول وأبلغهم ان مشروعه هذا يهدف الى توسيع التعاون الاستثماري والاقتصادي والتجاري بين مجموعة دول تمثل على صعيد حجم الانتاج ما يعادل 50 في المئة من الاقتصاد العالمي، وقال إن المشروع الذي انطلق منذ عام 2013 أثمر خلال خمس سنوات زيادة حركة الاستثمار والتجارة بين الدول المشاركة في المؤتمر بقيمة 60 مليار دولار، وهذا رقم لا يستهان به. وقد أكد رئيس الصين ان بلاده لا تسعى الى التحكم باوضاع البلدان المعنية أو السيطرة على مشاريع الاستثمار وأوحى بان المنهج الصيني سيكون البديل من مواقف الرئيس الاميركي المتقلبة والتي لا يمكن استقراؤها، خصوصاً انها مواقف انفرادية وانفعالية. والمشاركة الصينية في مشاريع البنية التحتية وانتاج وسائل التواصل وتطوير معدات الذكاء الاصطناعي ستسهم في تمكين الاقتصاد العالمي من استرجاع نفسية التعاون والتنافس.

ربما فازت الحكمة الصينية بالتأييد الدولي، وقد راينا الرئيس ترامب بعد زيادة الرسوم على الاستيراد من الصين واتخاذ الصين خطوات مماثلة، يسعى الى التراجع عن بعض اجراءاته مثل خفض رسوم الجمارك على منتجات الصلب من اوروبا وحتى من تركيا التي تشهد توترًا في العلاقات مع الولايات المتحدة.

علينا جميعًا انتظار السنوات الخمس المقبلة، في حال اللاحرب، لنعلم أي منهج سينتصر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*