الرئيسية / مقالات / الظلّ الذي هزم العصا

الظلّ الذي هزم العصا

ينبغي لنا أن نتجاهل بعضهم،
ليدركوا عظمة اهتمامنا بهم،
شكسبير

أغارت الهراوات السوداء على الخيم شبه الخالية في توقيت ما قبل التظاهر، فحطمت الأعمدة ومزقت الأقمشة، لكن ظلال الفارين منها طاردت نفوس المغيرين عليها، وغرزت بصماتها في ضوضائهم. فلما عاد المتظاهرون إلى الساحات، تمددت ظلالهم إلى أوسع من الأصل، وشكلت متراساً لا يخترقه الرصاص، ولا يشرده الخوف. تلك أيام أصبحت فعلاً من أيام العرب، إذا غابت عن العيون دامت في الوعي والوجدان، تماماً كقول الشاعر:

ألْجِسْمُ أقْوَى وَيَفْنَى والرسْمُ أوْهى وَيَبْقَى

أسبوعان مدهشان، أنجز فيهما الحَراكُ العامُّ ما هو أبعدُ من الثورة، إذ راعَ المسؤولين والسياسيين بأن شنَّ على صحوهم ومنامهم أعلامًا لبنانيةً بمئاتِ الآلاف، تَوطَّنَتْ هواجسَهم وأرَّقَت أحلامَهم والنظرات، وجعلتهم يقيمون وزناً هائلاً لأولئك الخارجين هَوْناً من بيوتهم وأعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم و”بطالتهم”، الداخلين إلى لحظةٍ تاريخيّةٍ مذهلة من بوابة الغريزة الوطنية التي وأدتِ الغرائز الأخرى وأوصدَت كُوى عصبياتها؛ الذين شكلوا حبلاً حرًّا وحيويًّا من الأيادي المتشابكة، طوَّقَ الحضرة السياسية بأوثقَ من الأطواق الأمنية وأمتنَ من الفوضى الثورية… الذين سيعودون غدًا إلى يومياتهم، ولكن بعدما خلَّفوا مكانهم أَخْيِلَتُهُمْ العملاقة العصَّيةَ على الإرهاب الأسود وحفَروا آثار أصابعهم على رقاب من أمسكوا برقبة الدولة في صلافة وعجرفة وقلة دراية لا شبيه لها، فأوصلوا الوطن إلى شفير الهاوية.

لا تلام الأشرعة على أنواعها، إذا أقلعت عند هبوب الريح. والريحُ أصلًا لا تُنسب إلى شراعٍ، فإن لها صاحباً هو الذي نفخ فيها بكل ما أوتيَ من أفواه، وما تركز في الشعب من معاناة تجاه طبقةٍ فشلت في إطفاء الحرائق، ومعالجة الفيضان، وتأمين الكهرباء وصيانة الدولة؛ وفشلت خصوصاً في فهم الدستور والتقيد بأحكامه، فجعلت قصارى همِّها إحرازَ السلطة من غير جدارة أخلاقية ولا كفاءة سياسية، ناسيةً قول بونابرت: “إذا كان الوصول إلى السلطة يحتاج إلى الانتهازية، فإن ممارستها تحتاج إلى العظمة المطلقة”.

لقد تَسَّمرتُ أمام الشاشات طَوَال تلك الأيام، ففاجأتني ابنتي التي نزلت مع أولادها للاشتراك في الحبل البشري، وعجِبْتُ لحفيديَّ في دبي يمسكان من طرفَينِ التلفازَ الذي كان يبث مشاهد ذلك الحبل العظيم انتساباً لفَتْله ومراسه، وأكبرتُ الفنان وسام حنا وهو يجول فوق دراجته النارية لرصِّ الحبل، وأوجعتني ورد الخال عندما قالت: “نحن نأتي إلى الحياة مرة واحدة، فلن نسمح لهم بأن يتمادوا في إفساد ما تَبَقَى من رحلتنا اليتيمة”، وأشجاني مرسيل خليفة فنان الشعب، حين راح يضرم “نشيده الوطني” في حناجر الناس ويحوِّلُهم إلى جوقة خالدة في دار الأوبرا الشعبية، أما البروفسور فضلو خوري والأب سليم دكاش فقد دخلا إلى وجداني كما إلى الوجدان العام عالِمَيْن راهِبَيْن تخشع لتواضعهما القلوب.

أبرز ما لاحظته في هذه الانتفاضة قيام أكثرية ساحقة من شبابها “المراهقين”، بفضح “المراهقة السياسية” وبلادة الأداء، وكَسْرِهم الخوفَ بأيسر السبل وأكثرها حضارة، عدتهم في ذلك أعلام تصفق، وقلوب تخفق وأصوات لا تخفتُ عن المطالبة بحقوق كل مواطن.

وكنتُ عوَّلتُ في مقالٍ سابقٍ على براغماتية الشعب، وأشرت إلى ضرورة أن تكون لها نواة صلبة تُصَوِّبُ المسار، ففاجأتني الجماهير بسرعةٍ لم أتوقَّعْها، حين انْبَرتْ بواقعيتها غير المألوفة للدفاعِ عن دولتها من خلال جسم رَخَويٍّ جبار امتد على طول الوطن، واستطاع، من غير أن تكون له تلك النواة، أن يتحرك بانسجام وفق نظام الغريزة والعفوية.

من هذا المنظور، أعيد التاكيد على أن الانتفاضة الشعبية التي تكتم دسمها السياسي فيما تكتفي بشعاراتها المطلبية، قد أكدت بالملموس أن الحلَّ بالدرجة الأولى، سياسيٌّ شامل يعيد الاعتبار إلى أمور ثلاثة:

الأول: أداء سياسي جديد كليًّا يحتكم فقط إلى الدستور والقوانين ومصالح الناس المرسلة.

الثاني: احترام التوازن الذي تقوم عليه بنية الدولة وفق معادلتها التاريخية.

الثالث: الخروج السريع من سياسة المحاور وترميم علاقات لبنان العربية والدولية،

هنا أفتح حاشية أدوَّنُ فيها أن التدهور الاقتصادي الحالي لا تقتصر أسبابه على الفساد وسوء الأداء، بل هو عائد أصلاً إلى شحِّ التدفق النقدي بسبب الاختلال المتمادي في توازن علاقاتنا، حتى فقدنا دورنا اللوجستي وميزات الممر المالي، وانكشف وضعنا انكشافاً خطيراً فطفت على سطح مائنا الناضب قواقع الفساد وجراثيم النهب وحشراته المؤذية.

وفي كلِّ حال يستطيع كثير من المراقبين أن يُحَبِّروا صفحات طويلة في التعليق على انتفاضة الشعب اللبناني، لكن الملاحظة العاجلة هي أن الشعب اللبناني في لحظة نُضْجٍ غابت عن رؤى معظم الساسة، قرر أن يتخطى وكلاءه المناطقيين والمذهبيين، ويتجاوز لغاتهم السقيمة ولهجاتهم الفجَّة، ليعُبِّرَ بحناجره وألسنته عن مصالحه الحقيقية العميقة، فيتحاشى الكلام بالسياسة، لكنه في الوقتِ نفسه يمارسها بأرقى أشكالها وينجز ما فشلت عنه المناورات العقيمة. ذلك أن السياسة الحقّةَ هي حصرًا تعهُّدُ مصالحِ الناسِ فردًا فردًا، لا التلطي خلف حقوقٍ مزعومةٍ للجماعات والمكوّنات، فهذا يكون دائمًا على حساب الإنسانِ في ذاته وكيانِه. ومكاسبُ الجماعاتِ تتنعَّمُ بها قِلَّةٌ من كلِّ جماعة، أمّا الغالبية فليس لها إلّا الفتاتُ الذي لا يرمِّمُ فقرًا ولا يعمِّمُ طمأنينةً. من هنا كان الخطابُ المطلبيُّ الذي سالت به حناجرُ الساحات خطابًا سياسيًّا بامتياز كما ينبغي للسياسة أن تكون. وهذا ما يمكن أن يفسر استقالة رئيس الحكومة في إطار الاستجابة للإرادة الشعبية من أجل فتح ثغرة واسعة في الحائط المسدود داخليًّا وخارجيًّا، وفي هذا السياق أيضاً حاولت أن أفسِّرَ خطاب رئيس الجمهورية، بمناسبة عيد الولاية، لولا خطاب وزير الخارجية الذي أرجعنا الى مربع الانكار ما استدعى ردود الفعل الشعبية الراهنة وغير المسبوقة .

ختم الفنان الكبير يوسف وهبي أحداث فيلم “غزل البنات” بعبارة :”وما الدنيا إلا مسرح كبير”. لكن الدراما التي تعيد نفسها، تنقلب إلى كوميديا، فإذا خلا الممثلون من روح الفكاهة صارت الكوميديا سوداء، كحال الحكم في لبنان الذي ما يكادُ يشهد انفراجة محدودة حتى يعودَ إلى الانحدار في مشاهد وحشية همجية يقف وراءها مخرجون من أهل الفاقة الفنية، ينظرون إلى الدولة ملكاً موروثاً، أو مُقتنًى مغتصباً عند سنوح الفرص، فيخمدون نورها ويهدرون ماءها ويعبثون بمقدراتها ويهملون العناية بمقوماتها، وينفخون في حرائقها، ولا يأبهونَ لمصيرِها بعدما جَفَّتْ قرائحهم من ابتكار الحلول، وجَفَتْ قلوبَهم محبةُ الناس.

يوم الخميس الماضي أصدرت النهار ملحقاً خاصاً مصوراً عن “غزل البنات” اللواتي ملأن الفضاء اللبناني بحلواهن الهشة الرائعة المذاق، والملونة بألوان العلم، وكأنهن يقلن لنا: “بقليل من السكر نعالج مرارة الحلوق والضمائر” وهذا ما دعاني إلى الطلب من السيدة نايلة تويني أن تصدر ملحقاً آخر عن “المراهقين الناضجين” الذي أدَّبوا مخضرمي السياسة فأثبتوا أن العائلة اللبنانية في اتساعها وتنوع طوائفها وأهوائها، قدمت الدليل القاطع والنزيه على حبها للوطن من دون أن يُدْخِلَها أحد في اختبارات الولاء، فليس فيها من جَحَدَ أباه ولا أمه، كما حدث مع الملك لير في تلك المسرحية، لوليم شكسبير الذي قال:

“تنازلوا عن دوركم في إصلاح الناس، وأصلحوا أنفسكم”.

■ وزير ونقيب للمحامين في طرابلس سابقاً.

اضف رد