الطلاق بعد تقدم العمر.. نهاية أم بداية أخرى

التعود على الانفصال والتكيف مع الحياة المستقلة يشعر المرء بالحرية والاستقلالية، والتخلص من الارتباطات والالتزامات التي تصبح مرهقة مع التقدم في السن.

برلين
العرب
https://alarab.co.uk/
الأربعاء 2020/02/26

بحث عن الذات

أكد خبراء العلاقات الأسرية والزوجية أن العديد من النساء والرجال يميلون إلى الرغبة في الطلاق مع تقدم العمر لأسباب مختلفة، حيث يكتشف الرجال فجأة نقائص جنسية في العلاقة الزوجية بينما تعاني النساء أكثر من الفراغ العاطفي.

برلين – قد تتحول الحياة الزوجية عندما يترك الأبناء المنزل ويكون الأب والأم قد حقّقا كل أهداف مشوارهما المهني والأسري، إلى كابوس نتيجة لتراكم الانفعالات، حيث قال المعالج هانز بيرفانجر المتخصص في شؤون الأسرة والزواج موضحا “عندما ينتقل الأبناء للعيش بمفردهم أو يتزوّجون تصبح العلاقة الزوجية فجأة تحت المجهر. وسرعان ما تتسبّب نهاية مرحلة التربية في تعرية الغربة الداخلية التي يعيشها الزوجان”.

وأضاف بيرفانجر “إذا أصبح الحساب العاطفي في علاقة الزوجين أو الشريكين مفلسا، يسأل الكثيرون أنفسهم ما الفائدة من الإبقاء على هذه العلاقة؟”.

ولكن إنهاء زواج دام طويلا، غالبا ما يكون أمرا صعبا للغاية. فالكثير من النساء سوف يتمسكن بزيجة غير مريحة لأسباب مادية على سبيل المثال. غير أن المعالج النفسي كليمينس فونك يقول إن هذا يتغير، حيث أن نساء كثيرات يشرعن في ممارسة أعمال جديدة بعد سن الخمسين ما يفتح فرصا جديدة لتحقيق الذات في ظل وجود أو عدم وجود رجل بجانبهن.

وتتذكر المحامية ريناته مالتري المعنيّة بشؤون الطلاق أنها عندما فتحت مكتبها في ميونخ قبل 35 عاما، كان بالكاد يأتي إليها شخص فوق الستين لبدء إجراءات الطلاق.

وتضيف أن هذا الزمن قد ولّى، حيث تقول “اليوم يرى الأشخاص هذا كبداية لمرحلة جديدة من حياتهم.. إنهم يريدون تغييرا كليا، بما في ذلك تغيير الطريقة التي يعيشون بها”.

ولا يسأل كثير من الأزواج أو الشركاء المتقدمين في العمر أنفسهم عن شكل الحياة التي يريدونها حتى وصولهم إلى سن التقاعد، وحينها يدركون أن لديهم أفكارا مختلفة للغاية تجاه هذه الحياة.

وتوضح المحامية مالتري “اعتادت النساء أن تقول لأنفسهن: يمكنني أن أعيش السنوات العشر المتبقية لي.. ولكن في ظل متوسط العمر الذي يبلغ 84 عاما، يمكنهن بسهولة الحصول على سنوات أكثر من هذا بكثير”.

نساء كثيرات يشرعن في ممارسة أعمال جديدة بعد سن الخمسين في ظل وجود أو عدم وجود أزواج بجانبهن

ومتى يستحق الزواج غير الناجح السعي لإنقاذه ومتى لا يستحق؟ يقول المعالج بيرفانجر “إذا لم تكن هناك حميمية عاطفية، وإذا تعرضت العلاقة العاطفية بين الزوجين أو الشريكين للذبول، إذن توجد مشكلة خطيرة”.

ويرى بيرفانجر أن الحميمية والمشاعر المشتركة -حتى غير السعيدة منها- ضرورية من أجل هذه الشراكة. وعند التقاعد، غالبا ما يفقد المرء الاعتراف المعتاد والاتصالات والتفاعل مع زملاء العمل والوضع الاجتماعي كفرد من أفراد القوة العاملة. ثم تصبح الكثير من الأشياء المفقودة في الزيجة واضحة للغاية. ويقول فونك “إن لم يكن بالإمكان إصلاحها وأصبحت الزيجة صراعا دائما، فإنها لم تعد قابلة للحياة”.

وقد يكون الطلاق مقبولا اجتماعيا ولكنه يظل تحدّيا عاطفيا وبيروقراطيا، لدرجة أن محامية الطلاق مالتري تقول إن العمل على زيجة مليئة بالمشاكل فكرة جيدة. وتضيف “أحيانا يتم إنهاء العلاقات بين الأزواج أو الشركاء بسرعة كبيرة هذه الأيام. ولكن هذه العلاقات التي كانت جيدة يوما ما تستحق النضال من أجلها، بالعلاج أيضا”.

وأكد خبراء العلاقات الزوجية والأسرية أن أكثر ما يثير الدهشة في حالات طلاق كبار السن هو الإصرار وعدم التراجع من الطرف الذي اتخذ القرار، مشيرين إلى أن هناك تراكمات قد تدفع الأزواج إلى الانفصال بغض النظرة عن التأثيرات النفسية والأسرية والاجتماعية لهذا القرار، منبّهين إلى أن تراكم الانفعالات لدى أي طرف، أخطر ما يهدد العلاقات الزوجية.

وفسر الخبراء سبب اللجوء إلى الانفصال بعد عقود من العلاقة الزوجية بوجود إحساس متنام لدى كبار السن بالرغبة في التخلص من الضغوط النفسية، واغتنام فرص الراحة والمتعة، بالإضافة إلى وجود نوع من المراهقة المتأخرة يصيب الرجل ويجعله يفكر في الزواج من فتاة صغيرة ليسترجع معها سنوات الشباب.

ولفتوا إلى أن الطلاق في عمر متقدم أصبح ظاهرة اجتماعية متفشية خلال السنوات الأخيرة في أغلب مجتمعات العالم، وأشاروا إلى أن طول فترة العلاقة الزوجية لا يعد مؤشرا حقيقيا على استقرارها، حيث يرى الأزواج أنهم في حاجة إلى البحث عن التغيير وتعويض ما فاتهم من العمر، بسبب الخوف من مرحلة الشيخوخة، أو السعي إلى الخلاص من سلوكيات الشريك التي كانت تعكر صفو الحياة الزوجية.

وقالوا إن تراكم المشاكل الزوجية والتغاضي عن حلّها في ظل الانشغال بتربية الأطفال وتوفير مستقبل آمن لهم على حساب حياة زوجية طويلة الأمد، وتحديات المجتمعات التي تغفل حقوق الأزواج في تقرير مصيرهم ساهمت في استمرار هذه العلاقة التي أساسها الفشل. وكشفوا أن سوء الاختيار والتغاضي عن حل المشكلات يساهم في تفاقم عدم الانسجام ويحكم على الزواج بالفشل حتى بعد سنوات طويلة من الزواج.

وأكدت الدراسات أن نسب طلاق الأزواج كبار السن ارتفعت في السنوات الأخيرة لعدة عوامل، من ضمنها تحسن الحالة المادية للزوجين والتي قد تمكنهما من الانفصال بأقل ضرر مادي، بالإضافة إلى العزوف العاطفي، وبحث الزوج خاصة، عن امرأة أخرى تلبّي احتياجاته الجنسية. وكشفت البحوث أن ارتفاع نسبة الانفصال بين كبار السن يساهم في ارتفاع معدلات الاكتئاب والإحباط والحزن.

ونصح الخبراء المطلّقات كبيرات السن بالاشتراك في الأعمال االخيرية والتركيز على ممارسة هواياتهن كوسيلة للمساعدة على التكيّف مع حياتهن الجديدة، بالإضافة إلى تجنب التواجد مع مطلقات أخريات وتجنب المقارنة والتشبّه بهن.

وقال المختصون إن الطلاق في عمر متقدم ليس دائما سيّئا بل قد يكون إيجابيا للكثيرات، حيث يعتبر مخيفا في بادئ الأمر ولا يمكن تقبله، إلا أنه بعد مرور فترة من الزمن والتعود على الانفصال والتكيف مع الحياة المستقلة يشعر المرء بالحرية والاستقلالية، والتخلص من الارتباطات والالتزامات التي تصبح مرهقة مع التقدم في السن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*