الرئيسية / home slide / الطباعة والمطابع في فلسطين بين 1918- 1948 ودورها في تشكيل الهوية

الطباعة والمطابع في فلسطين بين 1918- 1948 ودورها في تشكيل الهوية

الناصرة: “القدس العربي”:
05072022

يستعرض المؤرخ الفلسطيني الدكتور جوني منصور مسيرة الطباعة والمطابع في فلسطين في فترة الاستعمار البريطاني حتى نكبتها عام 1948، في دراسة جديدة يؤكد فيها على دور الفلسطينيين أنفسهم بالأساس في ازدهار هذا المجال التثقيفي التنويري. ويشير منصور، ابن مدينة حيفا، في دراسته لدور المطابع ومساهمتها المهمة في إحداث تغيير في مسيرة الحياة الجارية في فلسطين على مدى النصف الأول من القرن العشرين، علاوة على دورها في تسريع نقل الأفكار والآراء والمواقف والأخبار وتشكيل الرأي العام الفلسطيني كأداة أو وسيلة إعلام واتصال وحيدة في ذاك الزمن، إلى حين ظهور الإذاعات وانتشارها ومساهمتها في هذا الميدان أيضًا. وصدرت هذه الدراسة ضمن أوراق أعمال مؤتمر تاريخ بلاد الشام في دورته الحادية عشرة في الجامعة الأردنية– عمان، وهو مؤتمر يعقد مرة كل أربع سنوات، يشرف عليه ويديره الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت.

فلسطين شهدت جملة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تركت بصماتها في ميدان المطابع وما أنتجته، وبالتالي تحولت إلى أداة سيطرة وقوة.

كما يؤكد أنّ المطابع قد شهدت أيضًا نقلات نوعية في عملها، وتزامن ذلك مع دخول الانتداب البريطاني إلى حيّز التنفيذ بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أصبح هناك ضرورة إلى استهلاك ورقي آخذ بالتزايد مع دخول أنظمة حكم وإدارة وحياة جديدة تطلّبت التعامل مع الورق بشكل أوسع. بالإضافة إلى تأثير الانتداب غير المباشر على ظاهرة التعامل المنظم والموجه وفقاً للمنظومة الحياتية عموماً في الغرب. كما يؤكد أن فلسطين شهدت جملة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تركت بصماتها في ميدان المطابع وما أنتجته، وبالتالي تحولت إلى أداة سيطرة وقوة استخدمها أصحاب الشأن السياسي والاقتصادي على حدٍّ سواء، كل من وجهة نظره.

الباحث جوني منصور

طفرة واسعة

     ويشير منصور إلى الطفرة الواسعة التي شهدتها فلسطين، وخصوصًا القدس ويافا وحيفا، في عدد المطابع وأنواع أعمالها وجودتها، ويقول إن هذه محطة في نهضة عامة في قطاعات حياتية متنوعة وأسهمت بإنتاج فكري متنوع كان الأساس لتشكيل الهوية الثقافية والوطنية والقومية للفلسطينيين.

 وفي الدراسة يورد الباحث قائمة توثيقية بأسماء وأصحاب وأمكنة هذه المطابع في سجلات الملحق. ويؤكد: “لم يُكتب الحظ لقطاع المطابع الفلسطيني أنْ يتجاوز حدود فلسطين في تأثيره ودوره، بسبب عملية إبادته نهائياً في عام 1948م، حيث انهار هذا القطاع بالكلية، ولم تعد أي مطبعة عربية فلسطينية فاعلة على وجه الأرض الفلسطينية في المناطق التي احتلتها اسرائيل وأقامت دولة عليها”.

مضامين الدراسة

     يتطرق هذا البحث إلى وصول المطابع إلى فلسطين في القرن الـ 19، والنهضة التي أحدثتها الطباعة في حقول معرفية وحياتية مختلفة كالتربية والتعليم والاجتماع والاقتصاد والثقافة والسياسة خلال حقبة الانتداب البريطاني. يولي هذا البحث اهتمامًا كبيرًا في نمو وانتشار الطباعة في المدن الفلسطينية الرئيسة التي شهدته وهي القدس ويافا وحيفا. من جهة أخرى، يتعمّق البحث في دراسة تداعيات وآثار الطباعة على تطوير القدرات والمكونات الثقافية والسياسية وسط محيط تنافسي مُعقّد خلال مدّة الانتداب البريطاني على فلسطين وصولاً إلى عام النكبة (1948)، وما حلّ بفلسطين عامّة وفرع الطباعة خاصّة. وفي صلب الدراسة يستعرض جوني منصور كيف أدّت المطابع دورًا بارزًا في نقل المعارف والأفكار والطروحات الجديدة التي هيّأت الأجواء لظهور حركة نهضة فكرية وأدبية وثقافية، وبالتالي إلى ظهور ونمو نهضة سياسية عملت على إرساء أسس المشروع الوطني الفلسطيني. ويقول إنّ التراكمية في الإنتاج المطبعي أسهمت في تطوير المجتمع الفلسطيني، وخصوصًا المديني منه، ويمكن فحص تأثير الطباعة وملاحظتها ومتابعتها من خلال أعداد المطابع والصحف، وما أنتجته من كتب وكراريس وسواها.

بعض المؤرخين يزعم أنّ حلب كانت أوّل مدينة في المشرق العربي تستقبل مطبعة بحروف عربية في العام 1706 إلاّ أنّها لم تعش إلاّ سبع سنوات وتعطّلت.

تحديات المشروع الصهيوني

ويشير إلى أن المطابع ومنتجاتها واجهت تحدّياً قوياً، هو المشروع الصهيوني بجميع مكوناته، وخصوصًا أنّ مؤسسات وشركات صهيونية وأفراداً قد أسّسوا مطابع فاقت الألف مطبعة في طول فلسطين وعرضها، وبالتالي ارتفع إنتاجها التجاري والفكري في الوقت ذاته. وهذا برأي الباحث جعل قوة التأثير في الجانب الصهيوني تواجه الطباعة، وما تنتجه في الجانب الفلسطيني، فالمشروع الصهيوني شمولي، وغير موجّه لقطاع دون غيره. ويرى أنه في المجمل العام، شهدت فلسطين نقلة نوعية بارزة خلال أقل من نصف قرن، أي من بداية القرن الـعشرين وحتى عام النكبة. وقد اعتمد واضع البحث في كتابته على ما هو متوافر من أدبيات منشورة عن الطباعة والمطبوعات، ولكنه اهتم أيضًا بالاعتماد على ملفات أرشيفية من حقبة الانتداب البريطاني لتُعزّز طرحه بأنّ المطبعة والطباعة قد أسهمتا في تشكيل الهوية ووفرت أدوات قوة وسيطرة في ميادين عدّة، وأسهمت في تطوير قدرات المواجهة بالكلمة أسوة بالبندقية.

ملامح عن المطابع والطباعة في الحقبة العثمانية

     ويشير المؤرخ جوني منصور، المهتم بتاريخ فلسطين الحديث، إلى أن هناك شبه إجماع بين مؤرخي الطباعة وفنونها الحديثة على أنّ يوحنا جوتنبرج هو الذي اخترع الطباعة بالحروف المتفرقة. ويستذكر أن ذلك كان في العام 1445 ولمدة قرابة قرن ونصف من الزمان تطورت الطباعة في أوروبا، لدرجة أنّ بعض مطابعها قام بطباعة كتب باللغات الشرقية كالعربية. في حين أنّ الشرق استمر في نسخ الكتب الدينية خصوصاً إلى أن جلب دير قزحيا (في وادي قديشا- لبنان) مطبعة وحروفـًا بالسريانية من روما في العام 1610م. أمّا أول مطبعة عربية عرفها المشرق فكانت تلك التي أحضرها الشمّاس عبدالله زاخر إلى دير مار يوحنا الصابغ (في بلدة الخنشارة – لبنان) في العام 1733م. واعتبرت مطبعة كاملة عندما قام القيّمون عليها وعمالها بطباعة أوّل كتاب فيها. ويتابع: “في حين أنّ بعض المؤرخين يزعم أنّ حلب كانت أوّل مدينة في المشرق العربي تستقبل مطبعة بحروف عربية في العام 1706 إلاّ أنّها لم تعش إلاّ سبع سنوات وتعطّلت. ولا أحد يعلم أسباب تعطلها. أمّا مصر فعرفت الطباعة بالحروف المتفرقة أثناء الحملة الفرنسية عليها في 1798م. في حين أنّ الدولة العثمانية قد تبنّت المطبعة في 1830م بمبادرة من يونانيي القومية، وسار على منوالهم الأرمن واليهود. أمّا الأتراك فلم يعملوا بداية في هذا القطاع، إذ اعتبروه غريباً.

أول مطبعة عربية عرفها المشرق كانت تلك التي أحضرها الشمّاس عبدالله زاخر إلى دير مار يوحنا الصابغ (في بلدة الخنشارة – لبنان) في العام 1733م.

 وفي المضمار التاريخي يقول إن الدولة بادرت إلى تنظيم قطاع المطابع في عام 1857، حيث ضبطت فيه شروط وقيود فتح مطبعة وتشغيلها، ونصّ قانون 1865 على إقفال كل مطبعة يجري انشاؤها بلا ترخيص. وجرى تعديل هذا القانون في ظل الانتداب البريطاني في العام 1933، واقتصر نشاط المطبعة السلطانية في استنبول على الأوراق الرسمية لدواوين ودوائر الحكومة.

المطبعة الأولى

     أمّا المطبعة الأولى التي دخلت الى فلسطين فكانت على يد اليهودي يسرائيل باق في 1830، حيث أنشأها في مدينة القدس، واهتمت بطباعة الكتب الدينية باللغة العبرية، في حين أنّ داود ساسون أنشأ مطبعة في القدس في 1850، وكانت صغيرة، لكنّها أنتجت مطبوعات بجودة عالية. وحسب هذه الدراسة استمر اليهود في تطوير فرع المطابع، فأنشأ عديد منهم مطابع تجارية في القدس وصفد، حيث التجمّعات اليهودية الكبرى، قبل تأسيس مدينة تل أبيب، وقامت هذه المطابع بطباعة الكتب الدينية وبعض الصحف العبرية.

المطبعة في القدس

ثمّ تبعه الراهب الفرنسيسكاني النمساوي الأصل سباستيان فروتخنر، إذ حظي بتشجيع من الإمبراطور النمساوي جوزيف الأول في 1846، وأنشئت المطبعة في دير الفرنسيسكان في القدس، وكان أوّل كتاب طبعته هذه المطبعة بعنوان “التعليم المسيحي” باللغتين الايطالية والعربية. وحتى العام 1883 طبعت (103) كُتب ومجلدات وكراريس بلغات مختلفة.

المطبعة الأولى التي دخلت الى فلسطين كانت على يد اليهودي يسرائيل باق في 1830، حيث أنشأها في مدينة القدس، واهتمت بطباعة الكتب الدينية باللغة العبرية

  أمّا المطبعة الثانية فقد أنشأتها جماعة من البريطانيين في القدس أطلقوا عليها اسم: “مطبعة لندن” لنشر الإنجيل بين اليهود، وكان ذلك في العام 1848. وحذا حذوهم في العام ذاته الأرمن، إذ أنشأوا مطبعة لهم في دير مار يعقوب بالبلدة القديمة طبعت كتباً باللغة الأرمنية وبعض بالتركية، وبلغ مجموع ما طبعته حتى العام 1883 (115) كتاباً، في حين أنّ المطبعة الرابعة أنشأتها جمعية القبر المقدس اليونانية التابعة للبطريركية الأرثوذكسية الأورشليمية في 1849، ونشرت كتبًا دينية ومدرسية بالعربية واليونانية، ومجموع ما طبعته حتى 1883 (36) كتاباً بالعربية و29 كتاباً باليونانية.

دار الأيتام السورية

     طبقا للدراسة الجديدة هذه تبعَ ذلك تطور الطباعة في مدينة القدس، حيث بادرت جمعية ألمانية إلى تأسيس مطبعة “دار الأيتام السورية”، وتأسّست هذه المطبعة على يد شنللر ثيودور، ابن مؤسس دار الأيتام السورية يوهان لودفيغ شنللر. وكان تأسيس المطبعة بعد خمسة وعشرين عامًا على تأسيس دار الأيتام، أي في 1885، وتمّ تجهيزها بأحدث الآلات وأنواع الحروف الأجنبية والعربية وآلات للتجليد والخياطة والكبس والقص. وفيها كانت تُطبع مجلات وجرائد وكتب، ومنها “النفائس العصرية”. وقد اشتهرت بالإتقان والدقة في العمل والمواعيد، ولم يتم تأسيس المطبعة إلاّ بعد فتح فرع تعليمي مهني لموضوع الطباعة وفنونها المرفقة، وتخرّج من هذا الفرع المهني، في السنوات الواقعة بين الحربين العالميتين، ما بين 140-160 طالباً.  وينوّه البحث أن مجموعة منهم التحقت بمطابع في فلسطين، ومنهم من أسّس مطابع في فلسطين وعمل مستقلاً في هذا القطاع، ومنهم من انتقل للعمل في البلاد العربية المجاورة كمصر ولبنان وسورية والعراق.

مطبعة المأمونية

     وفي الاستنتاجات يقول جوني منصور: “إذن، نجد أنّ الطباعة في فلسطين كانت في القدس بوجه خاص في نهاية الحقبة العثمانية، وبدأت بطباعة الكتب الدينية، ثم انتقلت إلى طباعة كل ما تحتاجه المؤسسة المُشرفة على المطبعة، وفي غالبيتها مؤسسات ورهبانيات دينية”.

     ويوضح أيضا أن المطابع العربية في فلسطين، سواء تلك التي أسّستها مؤسسات وهيئات دينية، أو بمبادرات خاصة، ظلّت محصورة في عدد من المدن وفي مقدمتها القدس، عِلمًا أنّ عددها حتى نهاية الحقبة العثمانية في القدس لوحدها هو 11 مطبعة، في حين أنّ عددها في سوريا للمدة ذاتها كان النصف من هذا العدد. ويشير إلى أنّ أوّل مطبعة وطنية مستقلة تأسّست في القدس كانت “المطبعة المأمونية”، وطُبعت فيها جريدة شهرية باسم “الغزال” للشيخ علي الريماوي، وقد صدرت في 1876. كما طبعت في هذه المطبعة جريدة “القدس الشريف” الرسمية بالعربية والتركية، في حين أنّ الحكومة العثمانية أنشأت مطابع خاصة بها في مدن عربية أخرى.

     وطبقاً للدراسة حدثَ تحول ما في هذا القطاع عندما تأسّست في القدس مطبعة عربية مستقلة بادر إليها جورجي حبيب حنانيا في 1894، ولم يكن من السهل تأسيس مطبعة مستقلة بعيدًا عن هيمنة المطابع التابعة لمؤسسات دينية ورسمية. وقد وفرت المطبعة المأمونية، الوارد ذكرها سالفًا، المطبوعات الرسمية، في حين أنّ مطبعة حنانيا تعاملت مع القطاع العام في الأساس، وكتب في العدد الأول من صحيفة القدس ما يلي:

“ثمّ لمّا كانت بلدتنا القدس مثل غيرها متعطشة إلى العلوم والمعارف التي نضب معينها منذ أجيال طوال، وكانت هذه لا تنشر وتعمم إلاّ بواسطة المطابع، وكانت كل مطابع القدس دينية محضة تشتغل كل واحدة منها لطائفتها، أمست الحاجة إلى تأسيس مطبعة تزرع بذار الإخاء وتعامل الجميع على السواء غايتها خدمة الوطن لا تختّص بفريق دون آخر. ولكن هذا الأمر كان صعباً لما كان يحول دونه من الموانع والعثرات التي كان يقف الاستبداد في سبيل تذليلها وإزالتها. ولما كنت ممن مارسوا هذه الصناعة دفعتني النفس أن أُجرّب القيام بهذا الواجب على ثقله وصعوبته ووعورة مسلكه وبُعد تناوله”.

القرن العشرون.. بين يافا وحيفا

     ومع بداية القرن العشرين، وبوجه خصوصي في أعقاب الانقلاب العثماني في العام 1908 تأسّست مطابع أخرى في مدن فلسطينية غير القدس. ففي حيفا كانت “المطبعة الوطنية” لباسيلا الجدع في 1908 هي الأولى، ثم مطبعة جريدة “الكرمل” لصاحبها نجيب نصار، وتبعتها مطبعة “النفير” لصاحب جريدة النفير إيليا زكا.

  كذلك الأمر في مدينة يافا، حيث تأسّست جريدة “فلسطين” فجاء أصحابها بمطبعة في 1911، وهكذا اتسعت مساحات عمل المطابع مع اتساع مساحات حضور الجرائد في فلسطين، وأيضًا مع فتح باب الحريات مؤقتًا في نهايات حياة الدولة العثمانية. كل جريدة تقريبًا كانت تعمل على أنْ تمتلك مطبعة لها، وهذه المطبعة تُقدّم خدمات طباعية للجريدة ذاتها، وأيضًا أعمالاً تجارية أُخرى في السوق العام.

يسند عدد من المؤرخين سبب ظهور هذا العدد المتزايد من المطابع في فلسطين إلى الهجرة اليهودية منذ أواخر القرن الـ 19 وبالتوازي مع المشروع الصهيوني في تثبيت الثقافة العبرية من خلال نشر واسع للمطبوعات.

     ويذكّر البحث بأن خدمات المطابع بقيت محصورة في طباعة منتجات مُحدّدة كالكتب والكراريس والصحف وبعض الأوراق التجارية لشركات، أما التحولات في الطباعة من حيث فنونها وتجهيزاتها وتطورها حصل بعد الحرب العالمية الأولى، وفي ظل الانتداب البريطاني.

     وينبّه جوني منصور هنا إلى أنّ تطوّر ونمو فرع المطابع والطباعة قد تزامن مع النهضة الثقافية واتساع مساحة القراءة بفعل الزيادة في عدد المؤسسات التعليمية في لبنان وسوريا وفلسطين، سواء كانت بمبادرات وطنية او دينية أو رسمية من قبل الدولة. هذه التطورات أحدثت تغييرات جذرية في استهلاك المواد القرائية على مختلف أنواعها، وإن كانت محدودة في ذلك.

     لهذا، برأيه فإنّ الزيادة في عدد القراء ومستهلكي المواد القرائية الورقية (لم يكن غيرها في ذلك الزمن)، كان عاملاً رئيسًا في زيادة عدد المطابع، وزيادة عدد الصحف كلّـما اقتربنا من نهاية الدولة العثمانية، ونعني بذلك عشية الحرب العالمية الأولى. ويخلص الباحث جوني منصور للقول في دراسته الجديدة إن هذا المشهد، أي الزيادة في عدد المطابع والمنتجات الطباعية والصحف، دليل على اتساع رقعة ومساحة القرّاء والمتفاعلين مع ما ينشر، سواء كان منتجات مدرسية تعليمية أو عامة كالصحف والمجلات.

مساهمات ذاتية

     ويسند عدد من المؤرخين سبب ظهور هذا العدد المتزايد من المطابع في فلسطين إلى الهجرة اليهودية منذ أواخر القرن الـ 19 وبالتوازي مع المشروع الصهيوني في تثبيت الثقافة العبرية من خلال نشر واسع للمطبوعات. في حين أنّ تأسيس مطابع مسيحية كان بفعل مؤسسات وهيئات دينية مسيحية، والتي نظرت إليها الدولة العثمانية بكونها لا تُشكّل خطرًا عليها. ويخلص جوني منصور للقول أيضاً: “بمعنى آخر، فإنّ بدايات التحولات الثقافية والتنويرية والاجتماعية قد وجدت طريقها في نهاية القرن الـ 19 ومطلع الـقرن 20 أي في فترة الدولة العثمانية، وإنْ كانت في نهاية عمرها. لكن، وهنا علينا التشديد على أنّ الدولة لم تكن هي المبادرة إلى حصول هذه التحولات، ولم تقدها بنفسها. لهذا، وجدت مؤسسات غير رسمية طريقها نحو تبنّي هذه التحولات وإحداث التغييرات التراكمية للمشهد الثقافي الذي سيأتي أُكله في حقبة الانتداب البريطاني. وهناك، أي في حقبة الانتداب البريطاني، أيضًا لم تكن حكومته هي المبادرة إلى التحولات، إنّما بفعل المبادرات والمساهمات الخاصة لأبناء الشعب الفلسطيني”.

كلمات مفتاحية

الباحث جوني منصورالمطابع في فلسطين