“الطاعون” و”السقوط”، ومرحبا سيزيف

كان البير كامو، احد الذين طبعوا القرن العشرين بطابعهم. معه عادت الرواية الى فرنسا بعد هجرة تجريبية في الولايات المتحدة وروسيا. ولم يكن غزير الانتاج مثل اسلافه، وخصوصاً مثل المعلم الأول، انوريه بالسال، ولاحقاً اونوريه دو بلزاك. لكنه، مثل همنغواي في “العجوزوالبحر”، او مثل وليم فوكنر في “الصخب والغضب”، حصد نوبل الآداب لروايات صغيرة الحجم، رائعة الأثر.

ثلاث منها لا مفر من استذكارها في تأمل المأساة اللبنانية المضاعفة، والكارثة العالمية التي سميت “عدوّة البشرية”. ولسبب فيها او عندها، لا تصيب الكورونا سوى البشر من الكائنات الحية، في حين ان حرائق اوستراليا الأخيرة قضت على نصف مليار كائن حيّ لم تستطع الفرار.

وضع كامو ثلاثة اعمال تتشابه مغازيها مع اوضاعنا: “الطاعون”، وهو الوباء الذي ضرب وهران، مدينته في الجزائر. و”السقوط” وهي رمزية النزول نحو الهاوية الإنسانية. و”صخرة سيزيف” الاسطورة اليونانية عن رفع الصخرة الى رأس الجبل كلما ناء بها حاملها.

المثال الأخير كان يعطى دوماً عن لبنان، متعدد الانزلاق، واثق الصعود. الرجاء حذف سيزيف من لائحة المقارنات حتى على سبيل الرومانسيات، أو في البحث عن مؤاساة. الرجاء نسيان سيزيف. وبذلك لا يبقى لنا سوى “السقوط” و”الطاعون”. وقد كتبنا الى جنابكم في 4 آذار بعنوان “سنة الخفاشين” عن المقارنة بين الكورونا المستفحلة والطاعون الذي ضرب فلورنسا في القرن الرابع عشر. أما لماذا لم اقارن بينها وبين جرذان الدكتور ريو في “وهران”، فذلك من قواعد المهنة واصول الذاكرة، إذ إنني لجأت الى تلك المقارنة غير مرة من قبل. والتكرار علامة افلاس. كما في الحال الواقع تحت عنوان “السقوط”.

السقوط تعبير فيه نوع من العزاء ونوع من التكريم، في سائر آداب العالم. فنحن نميِّز بين “توفي” فلان وبين “سقط” شهيداً. صحيح ان النتيجة واحدة، لكن التكريم في حد ذاته يتضمن التعزية. اقسى شيء على الانسان هو الهزيمة. والأكثر قسوة منها الاعتراف بها. لذلك، اخترع ساحر المظلات المغطية محمد حسنين هيكل مصطلح “النكسة” لوصف ما حلّ بالعرب العام 1967. وعندما ايقن العرب ان هيكل تلاعب بالوصف، واحمد سعيد تلاعب بأرقام الطائرات المتساقطة، كانت الناس قد ألفت كلمة النكسة، ووجدت فيها حلاً للجميع.

قدَّم هيكل صيغة مرضية لكل ما سيأتي من بعد. لم يلمّح احد إلى اعظم انهيار في القرن الماضي على أنه هزيمة للشيوعية والاتحاد السوفياتي. إنه انهيار. حتى نزع المطرقة والمنجل عن قبة الكرملين العام 1992، لم يسمّ شيئاً. كل ما في الأمر أنه كانت هنا مطرقة ومنجل، ولم تعد هنا مطرقة ومنجل.

إذا كان في الإمكان أن تعود المطرقة والمنجل الى “الساحة الحمراء” ذات يوم، يكون هناك احتمال بأن نرى لبنان الذي عرفناه مرة أخرى. سقط سيزيف في محاولته الأخيرة، وسقطت صخرته فوق رأسه. والبحث جار عن اوصاف لا تصف شيئاً، وكلام مسطح مجوَّف مكرَّر لا يليق باللمّاحين.

في الأربعينات ناءت فرنسا بالأحمال الرديئة والثقيلة. وقرر شارل ديغول أن يترك باريس بين اقدام الاحزاب ليعود الى منزله القروي في كولومبي. لكن البيت لم يكن صالحاً للسكن، فاستأجر منزلاً في مارلي لو روا، ريثما تنتهي اعمال الترميم. وجاء اقرب صحافييه وأجلَّهم ، فرنسوا مورياك، يزوره. وعندما أفاض ديغول في الشكوى من رثاثة الوضع السياسي، سأله مورياك، إذاً ما العمل؟ أجاب ديغول: “لا شيء. هذه حقبة خالية من العمالقة”.

طبعاً هناك الكثير من سوء الحظ في المسألة. كورونا والمصارف والإنهيار العالمي، وانعدام الرؤية، ومعركة القضاء المستقل مع الشهوات الصغيرة، والغلاء والبطالة والتفكك الرسمي. وماذا نعدد بعد؟ لكن المشكلة الكبرى لم تكن سوء الطالع بل سوء الإدارة. فالحليف الأول لخبث الكورونا هو ضعف المناعة. ولمّا حلّ بنا قادماً من تحالفات الأقدار، وجد بلداً فاقد المناعة كلياً، مفلساً في كل احتياط، دولة بلا اصدقاء، موبوءة بالجدل الفارغ ومصابة برغوة الاحتفالات. الزبد لا يبني ولا يحافظ على البناء.

لقد ضرب كورونا كل العالم. قدر وتسرَّب. وليس صحيحاً انه استفرس وتفشّى في الدول الأكثر اعتلالاً. ها هي افريقيا الأقل إصابة، فيما ايطاليا واسبانيا تقيمان الجنائز المعزولة بلا طقوس وبلا احزان مثل القرن الرابع عشر. في مثل هذه الحالات اليائسة، حتى المسيح قال: دعوا الموتى يدفنون موتاهم.

وصل الكورونا ونحن في اكثر مراحلنا عطوبة وهشاشة. ايقظنا هذا المجتاح الكاسر الى أن معركتنا الوجودية هي الجمهورية، لا الرئاسة. وجوهر المسألة ليس من يكون الرئيس، بل كيف يكون لبنان. أو بالأحرى كيف يبقى. فأي بلد يستطيع الصمود في وجه هذه المتّحدات الكارثية، التي كثيرها من صنع الايادي؟

كالعادة، هناك دوماً امتحانان متلازمان: كيف يتصرف اللبناني وكيف تتصرف دولته. مساء الخميس جمع مارسيل غانم في برنامجه اكثر من مليوني دولار من التبرعات: للصليب الأحمر، وللمقاصد، ولمستشفى جنبلاط، ولمستشفى رفيق الحريري. البلد مهدد بالفقر، وخائف ومنكمش والناس تتبرع. والمغتربون يهبّون. قبل اسابيع فقط كان اللبناني في امتحان اكثر اهمية في الفارق بينه وبين دولته. لقد رفع من مستوى الثورات والعمل السياسي، بينما تصرف السياسيون مثل الصِّبيَة المدلوعين يريدون الثورة ايضاً لعبة من العابهم.

صحيح أن المصائب لا تأتي فرادى، لكن هذا الكمّ كثير، وهذا “السقوط” مريع. يجب الاَّ ننسى ايضاً أن كامو كان اخلاقياً بخلاف الرفاق الوجوديين في “الدوماغو” مما جعل الكاثوليكي مورياك يقول جملته الشهيرة: “ثمة شيء عفن في السان جرمان” ، نقلاً عن ماكبث الذي قال من قبل: “ثمة شيء عفن في دولة الدانمارك”.

حيث يكون الفساد يكون عفن كثير. والفساد ينخر الجسد والعظم. ويكشح المناعة كشحاً. وفي لحظة الحقيقة الكبرى نرى أن الهيكل قد اهترأ ولم يبق منه شيء تُعاد هيكلته.

مَن يصدق كلمة مما يقال. إلا تبادل التهم، فهناك جميعهم على حق. مع فارق في مستوى الصفاقة التي تثير الكثير من الغبار والكثير من الزبد. ثم لا شيء. الحقيقة في مكان آخر.عند الناس والصادقين والصدّيقين وطيِّبي السريرة وكبار القلوب والانفس والصدور العالية، ممتلئة بتواضع الأرض وسمو الروح.

قال الجليل، مورياك، عندما التفت الى ديغول يودّعه عند الباب الخارجي في مارلي: “تطلعت خلفي فرأيت رجلاً يمشي بين النجوم”. قيل يوماً لفؤاد شهاب، إنك تذكّرنا بديغول، فعلّق مكرراً: أن تكون ديغول، يستدعي ان تكون ديغول ومحاطاً بفرنسا. تباً للدول الصغيرة التي تختلط عليها الأمور وتتكسر تحت ارجلها المرايا وتسود فيها لغة البالونات. تباً للدول التي سجناؤها ارقى من سجونها. تباً للدول التي ترهب قُضاتها. وسوف اروي من جديد حكاية الفرد نقاش عندما استدعاه المفوض السامي ليلاً وقال له: “نقاش، الدولة تريدك رئيساً للجمهورية”. فالتفت إليه الفرد نقاش مستنكراً: “أمن أجل هذا استدعيتني في هذا الليل؟ ألا تعرف أن القضاة لا يتعاطون السياسة؟”.

يحفظ القضاء المدني سمعة القانون، لأنه يعمل بالقانون، لا بالأوامر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*