الصين دولة صاعدة… وروسيا مستقبلُها وراءها

لم يكن المسؤول في “إدارة” أميركيّة تتعاطى مع الصين أوضاعاً وشؤوناً “حَكْوَجيّاً” كما نقول في لُغتنا العاميّة، لكنّه تحدّث بصراحة واقتضاب. قال: “الأهداف الأساسيّة التي نحاول تحقيقها مع الصين مُحدّدة قبل وصول ترامب إلى الرئاسة بوقت طويل، حتّى أنّها كانت موضع مناقشة أيّام أوباما. استراتيجيا ترامب هي الدفع في اتجاه تحقيقها وإقامة علاقة جديّة أو شراكة مع الصين. هناك قضايا عدّة: حقوق الملكيّة الأدبيّة والفكريّة، سرقة الاختراعات الأميركيّة، تهديد حلفاء أميركا، مبادرة الطريق والحزام. الصين دولة صاعدة وروسيا مستقبلها وراؤها. الصين تبنّت قانون روسيا المُتعلّق بـ”السيبرانيّة”، لكن هنك فرقاً في الإمكانات بينهما. يُقال أن رفع أميركا التعرفات الجمركيّة على الصين كلّفها أكثر ممّا أفادها. ذلك غير صحيح في رأينا. على كُلٍّ هناك عقبات عدّة بين أميركا والصين أبرزها النظام السياسي وغياب الحريّات المتنوّعة”.

ماذا في جعبة مسؤول أميركي في إدارة تتعاطى مع روسيا أوضاعاً وشؤوناً وطموحات سياسيّة خارجيّة؟

قلتُ له في بداية اللقاء: قبل سنوات قال لي مسؤولون أميركيّون مُهمّون أنّ رئيس روسيا بوتين “تكتيكيّ” لا استراتيجيّ. لكنّه بدا من خلال تعامله مع سوريا ثمّ إيران وأوروبا أنّه استراتيجيٌّ مهمٌّ وأن تقويم الولايات المتّحدة له لم يكن صائباً. ردّ: “نحن لن نُغيِّر تقويمنا لشخصيّته. فهو لا يزال تكتيكيّاً في رأينا. لكنّه ذكيّ ويمكن وصفه بالانتهازيّة. عندما تسنح له فرصة في مكان ما يقتنصها بغضّ النظر عن الأخلاق والمبادئ. هذا ما فعله في شبه جزيرة القرم ولا يزال يفعله في شرق أوكرانيا. إنّه يستغلّ كل ما يحصل أو يحتمل حصوله، وخصوصاً في الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق. وهذا ما يُخيف ليتوانيا ولاتفيا وأستونيا”. سألتُ: ما نسبة الروس من شعوب الدول الثلاث التي ذكرت؟ أجاب: “في ليتوانيا تبلغ نسبتهم 8 في المئة، وفي لاتفيا 30 في المئة ربّما، وفي أستونيا نحو 40 في المئة. الخوف في ليتوانيا أقلّ لأن نسبة “روسها” صغيرة، ولأن محاولات الاندماج داخلها مستمرّة. والأمر نفسه حاصلٌ في الدولتين الأخريَيْن. بولونيا دولة كبيرة وشعبها كاثوليكي مُتديّن. الخطر الروسي عليها وعلى الدول الثلاث الأصغر المُشار إليها أعلاه قد لا يكون عسكريّاً كما حصل في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم وجورجيا (إقليم أبخازيا). لكنّه قد يكون استغلال الشعور الروسي القومي عند “روسها”، ودعم الأحزاب والتيّارات اليمينيّة المُتشدّدة فيها وبقايا الأحزاب اليساريّة. هذه تيّارات لا تؤيّدها الولايات المتّحدة، وهي تُعارض سياساتها. طبعاً الوضع في بولونيا مختلف، إذ لو حاولت روسيا التدخُّل عسكريّاً فيها فإنّها قد لا تنجح لأن شعبها كبير العدد وسيقاتل. لاحظ هنغاريا فيها وضعٌ يمينيٌّ مُتطرّفٌ الآن. وهذا اليمين يحاول أن ينمو في دول أخرى. في أي حال الولايات المتّحدة غير مؤيّدة لروسيا الآن كما في السابق. فهي حاولت التدخّل في الانتخابات الأميركيّة وفي انتخابات دول أوروبيّة عدّة. وفي بريطانيا قتل عملاء سريّون لها مواطنون لهم غادروها لأسباب متنوّعة. والعقوبات الأميركيّة المفروضة عليها لا تزال مُستمرّة”. علّقتُ: رغم ذلك يُلاحظ الذين يقابلون الروس نوعاً من الرضى عندهم عن إدارة أميركا بل تحديداً عن ترامب. ما سبب ذلك في رأيك؟ أجاب: “لأن بوتين يستفيد من أخطاء كثيرة تُرتكب في أميركا أو خارجها في الدول الحليفة لها”. سألتُ: “ما وضع بوتين داخل روسيا في رأيك؟ أجاب: “تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة التأييد له مُنخفضة وعلى نحو مهمّ. لكنّها أشارت إلى ارتفاعها كثيراً بعد ضمّه شبه جزيرة القرم إلى بلاده روسيا. يدلّ ذلك على أن الشعور الوطني والقومي كبير عند الشعب الروسي، وهو الذي يُحرِّكه أكثر من أي شيء آخر. أمّا سبب ضعف شعبيّته الذي تحدّثت عنه في بداية جوابي عن سؤالك فهو الحال الاقتصاديّة المتردّية داخل روسيا. إذ فيها نفط وغاز تُصدِّرهما وفيها سلاح مُتطوِّر تبيعه، لكن ذلك على أهميّته لا يكفي. موسكو مثلاً تُشبه نيويورك كثيراً. لكن إذا ذهبت إلى المناطق الريفيّة ستُلاحظ فقراً وضعفاً للموارد عند الناس وعدم قدرة على تأمين حاجيّاتهم. التنمية في روسيا ضعيفة، واقتصادها ضعيف وبناها التحتيّة متآكلة. ما فعله الروس في سوريا وأبخازيا وأوكرانيا وغيرها هل يستطيعون فعله في أماكن أخرى؟ ذلك ليس سهلاً. هل كلّما ضعفت شعبيّة بوتين يُقوّيها أو يرفع نسبتها بـ”حرب وطنيّة”؟ هذا ليس أكيداً. لذلك أقول أنّه “تكتيكيّ” ذكيّ. على كل حال هو يستغلّ أخطاء تُرتكب في الولايات المتّحدة، وأخطاء تُرتكب في دول حليفة لها، في أوروبا مثلاً”. سألتُ: ماذا يُمثّل بوتين للصين؟ هل هو حليف لها؟ أجاب: “ليس حليفاً بل صديق أو ربّما حليف صغير”. سألتُ: لماذا لا يحبّ الشعب الروسي أميركا رغم مصاعبه الداخليّة؟ أجاب: “لأنّ بلاده كانت امبراطوريّة أيّام القياصرة، وكانت شريكة أميركا في قيادة العالم أيّام الاتحاد السوفياتي. وهي اليوم أضعف من ذلك بكثير. الصين لن تُقدّم لها ما يلزمها كي تعود دولة عُظمى. وهي عاجزة عن العودة بمواردها. أمّا الصين فدولة لديها مالٌ كثيرُ وإمكانات ضخمة، وهي ربّما تصل بعد مدّة طويلة إلى شراكة مع أميركا في قيادة العالم أو تتحوّل ندّاً لها. ويحقّ لها أن تُفكِّر في هذا الأمر سواءٌ نجحت في تحقيقه أو أخفقت. وهي تقدّم مساعدات ماليّة ضخمة لعددٍ كبيرٍ من الدول ودخلت أفريقيا وأوروبا”.

ماذا في جعبة مسؤول في إدارة أميركيّة تتعاطى مع أوضاع الهند وشؤونها؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*