“الصيغة اللبنانية” تجربة للتصدير إلى العراق وسوريا

 

باسكال بطرس|الخميس13/12/2018

Almodon.com


الصيغة اللبنانية جيدة بنبضها الدستوري، وروحية بعض قادتها، وفي طليعتهم الرئيس فؤاد شهاب (Getty)

لطالما كانت “الصيغة اللبنانية” عرضة للتجاذب، بين من يرى فيها أرضيّة صالحة لاستنهاض الحلول وفضّ النزاعات، رهناً بنوايا الأفرقاء اللبنانيين، وبين من يعتبر أنها تجسّد الفساد المستشري، والصراع الأهلي المتمادي، والتعدّي الفاضح على الدستور والقوانين، ما يحول دون تحقيق نظام تمثيلي شفاف وهوية وطنية خارج السجالات الطائفية العقيمة.

مفاصل تاريخية
مضى لبنان، منذ نشوئه في العام 1920 كدولة وطنية، بتطوير صيغة سياسية قائمة على المحاصصة الطائفية، كانت مبهمة إبان الانتداب الفرنسي، ثم اُعتمدت شفهياً في “الميثاق الوطني” في العام 1943، وفق معادلة رجّحت حصّة المسيحيين في التمثيل. أما في اتفاق الطائف عام 1989، فتمّ تبنّى المحاصصة صراحةً، وأدرجت في الدستوري في ما يعرف بـ”المناصفة” بين المسيحيين والمسلمين. ولحقها خلاف واختلاف في فهم مضمونها ومقتضاها وتداعياتها، بين من يعتبر أن الهدف هو التدرّج نحو تجاوز الطائفية، وبين من يرى أن دونها لا ديمومة للوطن.

“نسخ” التجربة
إشكالية “الصيغة” هذه طرحتها مؤسسة “بيت المستقبل”، بالتعاون مع مركز “ويلفريد مارتنز للدراسات الأوروبية”، في إطار ندوةٍ تحت عنوان “الصيغة اللبنانية في حساب المستقبل السوري والعراقي”، في فندق “لانكستر بلازا”، حيث تمّ عرض واقع وإمكانات “الصيغة”، بسلبيّاتها وإيجابياتها، في سياق السعي السوري والعراقي إلى استشفاف الصيغة المناسبة لإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس سليمة. إذ أكّد “المنتدون” بخبرتهم العلميّة والتحليلية الواسعة، على خياراتهم السّياسيّة والفكرية والأيديولوجيّة، مستشهدين بمراحل تاريخيّة مرّت على لبنان وسوريا والعراق وغيرها من البلدان العربية، التي تعيش كلٌّ منها أزمة معيّنة مختلفة عن تلك التي يعاني منها النظام اللبناني.

سوريا والعراق
تحتاج سوريا إلى “طائف” يشبهها. إلى صيغة غير مستوردة، على حدّ تعبير الأستاذ في القانون الدولي أنطوان صفير، فيكون لها نظام منتج يتخذ أمثولات من الأزمات السياسية والحروب الدموية. أما العراق، ففيدراليّته الواقعيّة تعيش مهزومة بين عدم القدرة على تكريسها في دستور واضح وقوانين واضحة، وبين التعلّق المستمر والدفين بالانتماء العرقي الصرف. ما يستدعي، استخراج نظام من خلال ما عايشه العراق من خبرات مظلمة طوال عقود، وخصوصا في ظل الأزمات التي تسلط الضوء أحيانا على الكثير من الحلول.

الطائفية
اعتبر البعض أنّ “الطائفية” هي علّة نظام اللبناني، بينما اعتبر البعض الآخر أن هذا المنطق مخالف للواقع. فحسب صفير، الدستور اللبناني يُعتبر دستوراً مدنيًّا بكلّ معانيه. ورغم حاجته إلى بعض التحديثات، إلا أنّ الواقع المأزوم لا يمكن أن ينطبق عليه، لأنه دستور لا يلتزم أي دين. كما أنه لا يتّجه إلى تشريعات محددة سلفاً، غير تلك الموجودة في النظم القانونية، حسب مقتضيات وحاجات المجتمعات وتطورها، خصوصاً “التعدّدية” منها. أمّا القيد الطائفي، فهو تأكيد على ضمانة معيّنة في إدارة هذه التعدّدية.

وفق الباحث وعضو المجلس الدستوري أنطوان مسرّة، تتّخذ الإدارة الدّيموقراطية للتعدّدية أطُراً وأشكالاً متنوّعة. فعبارة “الطائفية” ليست مفهوما علمياً أو إطاراً قانونيّاً، بل لها ثلاثة معانٍ مختلفة في التشخيص والمعالجة: الإدارة الذاتية للشؤون الدينية والثقافية (التمييز الإيجابي عبر اعتماد قاعدة الكوتا)، واستغلال الدين في السياسة والسياسة في الدين، والذهنية الطائفية الفئوية. وهناك فرق شاسع بين مفهوم التعدّدية بالمعنى الديموقراطي العام، المتعلقة بتعدّد الآراء والمواقف، كما هي حال كلّ بلدان العالم، والتعدّدية الدّينية والثقافية والإثنية واللغوية، التي تصنّف الأفراد، وتتمتّع بدرجة عالية من الثبات.

الأخطاء والعيوب
صحيح أنّ النظام اللبناني تشوبه الأخطاء والعيوب، أسوة بسائر الأنظمة في العالم، لكن تبقى الصيغة اللبنانية أغنى تجربة في عالم الدراسات المقارنة. فهي جيدة بنبضها الدستوري، وروحية بعض قادتها، وبينهم أو في طليعتهم الرئيس فؤاد شهاب، كما جاء في مداخلة الرئيس السابق أمين الجميل. فالرئيس شهاب لم ينقلب على القيد الطائفي، بل تخطّاه من خلال عمل الدولة وديناميّة الادارة، ونزاهة القضاء وتحديث الأسس.

لا شكّ أنّ تجربة العام 1958 الشهابية تستحقّ التعمّق بها على مستوى لبنان الدولة، وأن تُعمّم على مستوى سوريا والعراق، من دون إلغاء الفروقات التي تميّز كل بلد، بل التوافق حول مفهوم الدولة. لكن الدولة المدنيّة هي المعبر نحو الأهداف المرجوّة.

الحوكمة
المطلوب في لبنان حوكمة رشيدة للتعدّدية، المقوننة في دستور، يكرّس هذا التنوّع عبر ممارسة سياسية منفتحة، ما يسهم في وضع حدٍّ للفساد المستشري والصراعات المتمادية والتعدّي الفاضح على الدستور والقوانين في غياب الرقابة والمحاسبة. فقد تطرّق الجميّل الى الحوكمة الرشيدة، مشدّداً على أنّها لو تحققت لكانت خففت الكثير من النزاعات والحساسيات. وسبق لها أن أنقذت لبنان سابقا بعد حرب 1958، وأعادت اللحمة بين اللبنانيين، فيما أدّى غيابها اليوم الى تفشّي الفساد والزبائنية. بدوره ذكّر صفير بأن الأزمات قبل الحرب على لبنان عام 1975، كانت ذي طابع سلمي، إلى أن تدخلّت دول الخارج، داعياً الى التمييز بين الصيغة والنظام، لأنّ الصيغة مفهوم حضاري تجدّدي اعتمدته دول ناجحة وأنظمة حكم متطوّرة.

اللامركزية والزبائنية
أجمع المؤتمرون على أنّ اللامركزية الادارية، التي ينصّ عليها الدستور، لا تطبّق بسبب تفشّي الزّبائنية على نحوٍ غير مشروع. وخلصوا إلى أن الخوف من تنظيمات معيّنة في لبنان، كالفيديرالية وسواها، غير مبرر، لأنّه يستعيد ما عايشه اللبنانيون من أزمات حول هويّة لبنان. ووفق صفير، الذي قيّم ولخّص نقاشات الجلسة، النقاش اليوم لم يعد يتمحور حول إذا كانت الفيديرالية تعني التقسيم أم لا، فالأخيرة تعتبر ضرورية اذا كان لها مقتضيات. ليس لعزل الطوائف عن بعضها وإنّما لإدارة التعدّدية.

المحصّلة
في المحصّلة العامة، المطلوب في لبنان وسوريا والعراق، إقرار نظام عصري لا يخاف التطور، وفق مقتضيات مصالح الشعب ومصالح الدولة التي هي في خدمة الشعب وليس جسما غريبا عنه. هذا فضلا عن ضرورة استبعاد الأحكام المسبقة، وضخّ الكثير من الأخلاق في السياسة، والشفافية بالممارسة والإرادة الصلبة بالمحاسبة، وقدرة فعلية على تقديم العدالة الاجتماعية بكل نواحيها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*