الرئيسية / home slide / الصراع على الفراعنة والهوية المصرية الحديثة

الصراع على الفراعنة والهوية المصرية الحديثة

 وسام سعادة
القدس العربي
12042021

حَرَصَ «متأوّل الجغرافيا» جمال حمدان (ت 1993) على تقديم الأبعاد الأربعة لـ«شخصية مصر» أي الأفريقية والآسيوية والنيليّة والمتوسّطية، على أنّها متفاعلة بإنسجام مع بعضها البعض، ولا تفضي إلى أزمات «ازدواج الشخصية» كتلك التي تجعل روسيا محتارة بين بعديها الأسيويّ والأوروبيّ.
بنى حمدان فكرته عن «شخصية مصر» هذه على قاعدة حتمية «التجانس الطبيعي». ما يغذّيه مجرى نهر النيل. فـ«الوادي كلّه وحدة فيضية» يقول. وهو يضيف في موضع آخر أنّ «النيل في مصر لا يجري في منتصف الصحراء ولكنه يجنح بتميّز واضح نحو الشرق، ولو كان النيل يجري أكثر غربية لتغيرت بلا شك اتجاهات التاريخ». يقصد بهذا أنّ التفاتة النيل شرقاً هي التي تؤمن هذه «الوحدة الفيضيّة» بين البعد الأفريقيّ الذي يمدّ مصر بالحياة، وبين البعد الآسيوي الذي» أمدّنا بالحضارة، وبالثقافة والدين منذ العرب».
التجانس الجغرافي عنده يصنع التجانس التاريخي على الأمد الطويل. هذا بدوره سيصبغ الأمد الطويل بطعم الأبدية، على حساب تاريخية الأشياء.
هذه الحاجة لتوكيد «التجانس التام» بين قديم ومصر وجديدها ظهرت مؤخّراً مع احتفالية موكب المومياوات الملكية الخارجة من المتحف القديم وسط القاهرة إلى «المتحف القومي للحضارة المصرية» في الفسطاط. ليست هي المرة الأولى التي تظهر في مصر الحديثة حاجة إلى «الأجداد الفراعنة» لكنها تختلف عن سابق النزعات «الفرعونية». لا علاقة لها مثلاً بالـ»الفرعونية الليبرالية» كما نجدها في» مستقبل الثقافة في مصر» (1933) لطه حسين. شدّد حسين على» أن مصر الجديدة لن تُبْتَكَر ابتكاراً، ولن تُخترع اختراعاً، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة». فالعقل المصري عنده ينحو منذ الزمن القديم، إلى البحر الأبيض المتوسط والغرب، لا الى الشرق، و«لم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسي» «وإنما عاش معه عيشة حرب وخصام» والمصريون» لو خُيّروا كرهوا أشد الكره ان يحيوا حياة الصين والهند».
ونزعة طه حسين فيها صدى للهوس بمصر القديمة في عصر الأنوار، باعتبارها الحضارة الأم للحضارة الأوروبية، التي تمخّض عنها امتدادان، ارتقائي، اليونان القديمة والعقل، ونكوصي، اسرائيل القديمة والغيب. كحال المستشرق الفرنسي الرحالة فولني، يفسّر طه حسين انقطاع مصر عن حضارتها القديمة بالغزوات الشرقية المتعاقبة لها التي عمّقت فيها الاستبداد. والاستبداد عند فولني مبني على غفلة بلداننا عن حضاراتها القديمة، الأمر الذي يجعلها أطلالاً شاهدة على هذا القديم ليس إلا، ولا سبيل إلى انبعاث الحضارة فيها، إلا بواسطة التدخل الأوروبيّ الحديث لايقظاها.
في مقابل نظرة عصر التنوير التي كانت ترى فيها حضارة أم، مبنية على العقل ووحدة الوجود والهندسة، وتفسّر انقطاع مصر عن حضاراتها القديمة بالغزوات الشرقية لها التي جاءتها باستبداد الطغم الأجنبية المتعاقبة، انوجدت النظرة المقابلة تماماً، والمستندة الى المأثور التوراتي، والتي ترى إلى مصر الفرعونية على أنها أمّ كل استبداد، والى خروج موسى وشعبه من مصر على أنها ملحمة للحرية.
وهذه نظرة اعتملت في البروتستانتية مطولاً، إذ تعامل المهاجرون الى أمريكا على أنهم يتركون «مصر، أرض العبودية» أي انكلترا وأوروبا، الى الأرض الحرة الموعودة. وهذا هونغ شيوكان في الصين الجنوبية في القرن التاسع عشر، الذي فهم مناشير المبشرين البروتستانت على طريقته، أطلق أكبر تمرد شعبي ودموي في التاريخ، «تمرد تايبينغ» على الأساس نفسه: أنه يريد اقتفاء أثر موسى، والخروج من «مصر، أرض العبودية» أي من العبودية لسلالة شينغ المانشورية. أما في القرن العشرين، فقد استعاد، بسياقين مختلفين، كل من سيد قطب وكارل فيتفوغل هذا التأصيل للاستبداد في مصر الفرعونية.
الأول بجعلها نموذجاً مطلقاً لـ«تعبيد الناس للناس» بدل التعبد لرب الناس، عاماً بذلك الى تفسير الناصرية بالفرعونية.
والثاني، وهو متخصص بالصين أساساً، ومنتقل من يسار الحركة الشيوعية في ألمانيا إلى يمين الحرب الباردة في أمريكا، فقد أحال تجارب الاستبداد الشرقي كلها، وفي طليعتها النموذج الفرعوني، الى كونها حضارات نهرية تحتاج إلى التحكم القسري الكليّ بقوة العمل لبناء وصيانة أنظمة الري.

أهمية اكتساب بلدان هذا الشرق العربي «علاقة معرفية أولاً» بحضارات العصر القديم، ليست تلغي أبداً أن الصراع على التاريخ القديم وحوله جزء من الصراع على الراهن والآتي من أيام

في مقابل المناقضة التي يعملها قطب بين الفرعونية والتوحيد، انوجد في المقابل، ميل إلى إرجاع التوحيد نفسه إلى أخناتون ومصر القديمة. وهذا المنحى يتواتر من «موسى والتوحيد» لسيغموند فرويد الى مقدمة الدستور الحالي لمصر: «لاح فجر الضمير الإنساني وتجلى في قلوب أجدادنا العظام فاتحدت إرادتهم الخيرة، وأسسوا أول دولة مركزية، ضبطت ونظمت حياة المصريين على ضفاف النيل، وأبدعوا أروع آيات الحضارة، وتطلعت قلوبهم إلى السماء قبل أن تعرف الأرض الأديان السماوية الثلاثة».
بخلاف هذا الحرص الزائد على توكيد التجانس، سواء في»عبقرية المكان» لحمدان، أو في فكرة» حضارة مصرية» متواصلة منذ غابر الأزمان إلى يومنا هذا، على ما يكثّفه اسم المتحف الجديد، تظهر اتجاهات مختلفة انطرح ضمنها موضوع الهوية المصرية الحديثة: الفرعونية كبعد مشتاق الى الحداثة الأوروبية، وإدارة ظهر للعقل «الشرقي» (طه حسين). البحث عن توفيق بين مصر الفرعونية وبين مصر الاسلامية دون اعتباره أمرا بديهياً أو سهلاً. اعتبار الفرعونية كنقيض للتوحيد، أو كمهد للتوحيد. مفارقة السعي وراء التجانس الفرعوني لمصر في السنوات الأخيرة، أنها تحتاج لإظهار إسلام مصريّ موجود «بالإيحاء» منذ أيام الفراعنة!
بخلاف النظرة التي تقصر اكتشاف مصر الحديثة لفراعنتها على أنها نتيجة للحملة الفرنسية وما تلاها، فإن الاطلاع على كتاب «الإفادة والاعتبار» للطبيب الفيلسوف والرحالة عبد اللطيف البغدادي، أو ابن اللباد، من القرن الثالث عشر، كفيل بتعديل الصورة. فابن اللباد يخبرنا بأنه «سألني بعض الفضلاء ما أعجب ما رأيت فقلت تناسب وجه أبو الهول» ويترك لنا مشاهدات مدهشة عن التنقيب عن الآثار في أيامه. من جهة، يشير الى أن ملوك المسلمين كانت «تراعي بقاء هذه الآثار وتمنع من العبث بها، وان كانوا أعداء لأربابها» ويعلّل ذلك بأن هذه الآثار» شاهدة للكتب المنزلة» وكي «تبقى تاريخا يتنبه بها على الأحقاب». بالإضافة إلى أنها «تدل على شيء من أحوال من سلف وسيرتهم وتوفّر علومهم وصفاء فكرهم».
في المقابل، يغتاظ ابن اللباد من تفشي نهب الآثار في ظل الأيوبيين، ومن هدمهم لاهرامات صغيرة في الجيزة. ويأسف للعبث بهذا الإرث، طالما هناك من يحسب ان «كل شق مفطور في جبل يفضي إلى كنز، وكل صنم عظيم حافظ لمال تحت قدميه». فهؤلاء «ينقبون الأحجار نقب من لا يتمارى أنها صناديق مقفلة على ذخائر» ومما يزيد من أطماعهم أنهم يجدون نواويس» فيها من موتى القدماء الجمّ والغفير والعدد الكثير». وهؤلاء الموتى قد» يوجد على جباههم وعيونهم وأنوفهم ورق من الذهب كالقشر». يخبرنا ابن اللباد كيف تتحول بعض أكفان المومياوات الى ألبسة في الأرياف، وكيف يدوّر بعضها الآخر ورقاً للعطارين.
تلحظ في سرد ابن اللباد ان هذه الآثار القديمة كانت جزءا من بضاعة اهل الريف والبدو التي تتدفق على المدينة. قبل قرون طويلة من تحول هذا الطلب على هذه البضاعة الى طلب اوروبي بالدرجة الأولى. ثم تحوّل كفّ يد الأوروبيين عن هذه الآثار الى مطلب وطني مصري. بخاصة عام 1922 غداة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك، والمطالبة الحاسمة لسعد زغلول والوفد بأن تحفظ آثار المصريين في مصر. هي نفسها الفترة التي شهدت اكتشاف ناووس أحيرام في جبيل بلبنان. لكن رواد النزعة الفينيقية في لبنان وقتها كانوا ممالئين للاستعمار، بخلاف حامل لواء العروبة والاسلام الأمير شكيب أرسلان الذي توجه لعصبة الأمم برسالة يطالب فيها بمنع انتقال هذه الآثار الى فرنسا.
أهمية اكتساب بلدان هذا الشرق العربي «علاقة معرفية أولاً» بحضارات العصر القديم، ليست تلغي أبداً أن الصراع على التاريخ القديم وحوله جزء من الصراع على الراهن والآتي من أيام. علاقة معرفية اولا، لكن لها علاقة أساسية مع توسيع أفق الهوية.
في حدود ما كان بمستطاعه تلقفه من تواريخ مصر القديمة كتب رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر، في كتابه «أنوار توفيق الجليل» فصولاً عديدة عن تاريخ مصر قبل الإسلام، منها ما نسخه عن ابن لباد، ويمكن اعتبار كتاب الطهطاوي هذا نقطة تحول باتجاه هوية مصرية حديثة تتضمن بعداً فرعونياً معتدلاً.
فقد ميّز رفاعة بين جاهلية متمدنة وأخرى متوحشة، جاعلاً مصر القديمة في الأولى، معيداً هذا التمدن في نفس الوقت الى طاعة الرعية لملوكها: «وهل تظهر المباني العجيبة إلا من ملوك رعاياهم لأوامرهم ونواهيهم سمّيعة، ولرغباتهم ومطامعهم مائلة كل الميل مجيبة مطيعة».
في الوقت نفسه، توقف عند مناسبة واحدة في هذا النموذج الفرعوني يكون فيها لـ«عامة الرعية تداخل في حكم الملك». فبعد ان يموت فرعون، يحضر الآلاف لفحص محاسنه ومساوئه،» ويحكم في ذلك برأي جمهور الجمعية، فان حكمت بدفنه بهذا الاحترام على مقتضى مقامه الملوكي وإلا حرم من هذا الإكرام، وتجرّد عما يجب لعظامه من التبجيل والإعظام».
يضيف الطهطاوي، في غمز لحكام حاضره وحاضرنا:
«ومع أن هذه المداخلة بعد الموت خفيفة هينة، فكانت نتيجتها شريفة بيّنة، حيث أنّه لما حُرِمَ الدفن كثير من الملوك الفراعنة اجتهد خلفاؤهم في إصلاح العمل، وسلوك سبيل العدل خوفاً من المناقشة بعد الموت والمطاعنة، وهالهم إهانة جثتهم بعد الممات، كما هال أهل الحق خشية سوء الخاتمة والخوف من العرض على رب السموات».

كاتب لبناني