الصراع على الزعامة الشيعيّة في لبنان (6)

ا

  • حازم صاغية – كاتب لبناني
  • ۱۱ فبراير ۲۰۱۹
  • درج
  • https://daraj.com

بدت سَنتا 1978 – 1980، وهما “عهد” حسين الحسيني في قيادة “أمل”، سنتين عاصفتين تستأنفان “حرب السنتين” بأسماء وعناوين أخرى. خلال تلك الفترة القصيرة، وفي ظلّ اختفاء الإمام الصدر في ليبيا، انتصرت ثورة الإمام الخميني في إيران، فيما بدأت الطائفة الشيعيّة اللبنانيّة تتبلور كقوّة عسكريّة. هكذا هبّ العنف مجدّداً من كلّ صوب، في الأفعال لكنْ أيضاً في الكلام والكتابة والمخاطبات العامّة.

القرابات، من جهتها، حالت دون التعيين الدقيق لمرتكبي ذاك العنف، وباتت حدود “التنظيم” أوهى من أن تصدّ العائلات والعشائر المتداخلة فيه، جاعلةً القرار المركزيّ الواحد شيئاً يتراوح بين الطوبى المُشتهاة والدعاية الرخيصة. لقد باتت العائلة والعشيرة تبادران باسم “التنظيم” الطائفيّ بأكثر ممّا يستطيع “التنظيم” تمثيلهما أو التنصّل منهما.

ذاك أنّ الطائفة، التي نامت طويلاً، استيقظت بقوّة على نفسها وعلى محيطها المباشر، وجاءت يقظتها مُتخَمَة بالكوابيس. وفي الجنوب خصوصاً، لكنْ في ضاحية بيروت الجنوبيّة ومناطق أخرى كذلك، كان من تحصيل الحاصل اصطدام تلك اليقظة بالسلطة القائمة، سلطةِ المقاومة الفلسطينيّة وتابِعتِها “الحركة الوطنيّة”. فلسنواتٍ أبدى الأخيرون تجبّراً وقلّة اكتراث بالسكّان المحلّيّين كانت ذروتهما عمليّات لم تنجح إلاّ في استدراج الردود المدمّرة من إسرائيل.

هكذا بدا أنّ الائتلاف العريض الذي قاتل المسيحيّين وقاتلوه في 1975 – 1976، كان ينتظر بلهفة انتهاء “حرب السنتين” كي يباشر بعضُه ذبح بعضه الآخر.

الثورة الإيرانيّة، من ناحيتها، وفّرت للشيعة القوّة والتمكين، خصوصاً وقد أُسبغت عليها الفرادة في التاريخ. فهي، وفقاً للرواية التي سادت، لم تُسقط عرش الشاه فحسب، بل زعزعت أركان أميركا والغرب وإسرائيل، كما أسّست نموذجاً كامل الجدّة والاستثنائيّة. لكنّ الثورة وفّرت للشيعة شيئاً آخر أيضاً. فهي حرّرتْهم من كلّ شعور بالذنب جرّاء صدامهم بالفلسطينيّين، أصحاب “القضيّة” الذين كانوا حينذاك، مثلهم مثل خصومهم المسيحيّين، يضمّدون جراح “حرب السنتين”: أوليس الإمام الخمينيّ ألدَّ أعداء “الكيان الصهيونيّ”، هو الذي جعل سفارته في طهران سفارةً لفلسطين، وأكّد، مرّة بعد مرّة، عزمه على الصلاة في القدس؟

أمّا الإمام الآخر فصار غيابه في ليبيا حجّةً على الظلم لا تقبل الجدال، حجّةً تعزِّز تلك الهويّة التي لم تكفّ عن استعادة مأساة المظلوم الأكبر الحسين بن عليّ. هكذا جاء الدعم المعنويّ من حضور أحد الإمامين بقدر مجيئه من غياب الثاني.

شيوعيّون وبعثيّون…

في معارك “أمل” أواخر السبعينات، خفقت أعلام المظلوميّة في مواجهة ظالمٍ هو الفلسطينيّ – الشيوعيّ، كما تضامن الكثير من الدين والكثير من الفساد والجريمة والطائفيّة، وهذا كلّه من مضامين الطائفة، أيّة طائفة، حين تتحسّس قوّتها وتضعها موضع التنفيذ. لقد بدا التلوّث والرثاثة يومذاك قاسماً مشتركاً بين لبنانيّة وفلسطينيّة صقليّتي الأخلاق، لا تتحقّقان إلاّ بالتآمر والضديّة وسفك الدم. هكذا راح كلٌّ من الطرفين ينبش الصفحات القديمة عن الخيانة والغدر في تاريخ الآخر كي يستمدّ منها المبرّر والحافز للانقضاض عليه: البيئة الفلسطينيّة والشيوعيّة استعادت روايتها عن أنّ “أمل” هي التي سلّمت النبعة في 1976، وارتفعت مجدّداً أصواتها التي تحيط ماضي الصدر وأصوله وارتباطاته بعلامات استفهام كثيرة. البيئة الشيعيّة لم تفتقر، بدورها، إلى رواية تآمريّة عن توافق فلسطينيّ – إسرائيليّ على تفريغ الجنوب، فيما البرهانُ الذي يقطع الشكَّ باليقين ما يحصل على الأرض من تجبّر وانتهاك.

أمّا الجهتان الأكثر استهدافاً، بالإجلاء عن مناطق وقرى معيّنة، كما باغتيالات نُفّذت هنا وهناك، فكانتا الشيوعيّين اللبنانيّين وبعثيّي العراق وجبهتهم “جبهة التحرير العربيّة” التي خصّتها بغداد بالشأن الفلسطينيّ. ذاك أنّ الشيوعيّين ذوو حضور تاريخيّ بين شيعة الجنوب، فضلاً عن كونهم أبرز الغطاءات المحلّيّة التي تغطّى بها العمل الفلسطينيّ المسلّح. وبدورهم، كان البعثيّون والأمليّون يتشاركون في استيراد نزاع عراقيّ طرفاه صدّام حسين ومراجع الشيعة في النجف وكربلاء. الشيعة العراقيّون الذين كانوا يتدفّقون على لبنان، هرباً من طاغية بغداد، باتوا الزيت الذي يُصبّ على تلك النار.

وما بين الضاحية الجنوبيّة وقرى جنوبيّة كحناويه في قضاء صور والسكسكيّة في قضاء صيدا، سال دم كثير، واستعرضت المنظّمات، التي نشأت بذريعة “تحرير فلسطين”، قسوة هائلة حيال قرويّين قُصفوا من دون رحمة. أمّا دمشق، وكانت ترعى الوضع اللبنانيّ يومذاك، فلم تجد ما يدعوها إلى وقف النزف ما دام يصيب موالين لصدّام حسين وياسر عرفات، ولو كلّف الأمر التضحية بمدنيّين من الجنوب، أو بشيوعيّين لا يحفل بهم أحد، فضلاً عن أنّهم، هم أنفسهم، لا يحفلون بأحد. وإذ أُخرج الأخيرون كلّيّاً من الضاحية، فقد تدخّل حافظ الأسد مرّة واحدة حين اتّصل بعرفات، طالباً وقف الهجوم المضادّ على “أمل” في السكسكيّة. ذاك أنّ انهيار التوافق الإقليميّ الذي تمّ التوصّل إليه في 1976 رشّح الحركة الصدريّة لدور الرقيب الذي تطمئنّ إليه سوريّا في المناطق الحدوديّة، وهو ما لا تؤتَمن عليه منظّمة التحرير الفلسطينيّة.   

وفي ظلّ الاستباحة التي رزح لبنان تحتها يومذاك، استحسن عقل حميّة، أحد أبرز الكوادر العسكريّة في “أمل”، خطف طائرة متوجّهة من بيروت إلى عَمّان. العمليّة تلك، التي حصلت في 16/1/1979، “ردّاً على” اختطاف الصدر في ليبيا، كانت الأولى في عمليّات خطف متلاحقة نفّذها حميّة. لقد عاث الفساد في الجوّ أيضاً.



تبدّل في القيادة

لم يكن حسين الحسيني ممّن يكنّون عواطف خاصّة للشيوعيّين والبعثيّين، ولا لشاه إيران في المقابل، إلاّ أنّه لم يكن من دعاة العنف المفتوح والفوضى المجنونة. لقد أيّد الثورة الإيرانيّة بشيء من الفتور والمسافة، كما انضبط عداؤه لأحزابٍ كالشيوعيّ والبعث بحدوده السياسيّة. صداقته لألبير منصور، زميله في البرلمان عن القضاء نفسه، وصديق الشيوعيّين أيضاً، قوّت عنده نوازع اللين والرأفة.

لكنّ الأهمّ أنّ الحسيني كان يقيم في واجهة “أمل” فيما نبيه برّي، المتتلمذ على خصومه في المقاومة الفلسطينيّة و”الحركة الوطنيّة”، هو مَن يتغلغل في قواعدها. هكذا، وتحديداً يوم 4 نيسان 1980، استقال الأوّل من قيادة الحركة، مقترحاً في استقالته “اختيار نجل الإمام الصدر السيّد صدر الدين لهذه المهمّة”. برّي هو من حلّ في القيادة. صدر الدين غاب عن السمع والنظر.

والحال أنّ الحسيني ربّما حدس بأنّ الآتي من الجوار سيكون أعظم، وأنّ المطر اللبنانيّ المسموم سوف يلتحم بمطر إقليميّ أشدّ سمّيّةً وحموضة. وبالفعل فبعد خمسة أيّام على استقالته، أعدم صدّام حسين زعيم “حزب الدعوة” الشيعيّ العراقيّ محمّد باقر الصدر وأخته بنت الهدى، وفي أواخر تمّوز من العام نفسه، اغتيل في بيروت موسى شعيب، الشاعر البعثيّ العائد من بغداد بعد إلقائه قصيدة تهجو الخميني في حضرة صدّام. لكنّ الزلزال ما لبث أن ضرب ضربته في أيلول، حين باشر العراق هجومه على إيران، ما فجّر حرب الثمانينات المدمّرة على ضفّتي الخليج.

في 1981، وحرصاً على بقاء الثنائيّ الجنوبيّ – البقاعيّ في قيادة “أمل”، بات حسين الموسويّ، البقاعيّ، نائباً لبرّي، الجنوبيّ، بعدما كان الأخير نائباً للحسيني، البقاعيّ. لكنْ بينما كانت تتواصل المواجهات المتقطّعة، في بيروت وفي الأطراف، بين المسلّحين الفلسطينيّين والشيعة، وهو ما استمرّ حتّى اجتياح 1982 الإسرائيليّ، بدأت تظهر أسماء جديدة لتنظيمات شيعيّة على علاقة ملتبسة بـ “أمل”. الحدث الهيوليّ الذي سجّله ذاك العام كان تفجير السفارة العراقيّة في بيروت التي غدت أثراً بعد عين. التفجير ذاك وُجد من ينسبه إلى قياديّ لاحق في “حزب الله” اللاحق، اسمه عماد مغنيّة.  

لقد بدا واضحاً أنّ “الصعود الشيعيّ” بين 1978 و1980، كما مثّلته “أمل”، موجّه أساساً ضدّ الفلسطينيّين. الأخيرون الذين هُزموا في “حرب السنتين” ينبغي استكمال هزيمتهم بما يستجيب حاجتين متطابقتين: حاجة الشيعة إلى التحرّر من سلطتهم وحاجة حافظ الأسد إلى توسيع نفوذه لبنانيّاً، وخصوصاً جنوبيّاً. لكنْ منذ 1980، بدأ طرف شيعيّ آخر بالظهور، طرفٌ ينوي وضع “الصعود الشيعيّ” في مواجهة العراق الصدّاميّ. إسرائيل كانت تفصيلاً. إيران هي الأولويّة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*