الصراع على الزعامة الشيعيّة في لبنان (5)

  • حازم صاغية – كاتب لبناني
  • ۰۸ فبراير ۲۰۱۹
  • درج
  • https://daraj.com

الإمام موسى الصدر مع الرئيس كميل شمعون

لم تنخرط “أمل” في “حرب السنتين” بصفتها هذه. لقد صدّت الإغراء وبرّرتْ صَدّها بعناوين وشعارات جمعت بين تعاليم الحسين، وحبّ المحرومين، ورفض العنف، والحرص على لبنان، وأولويّة العيش المشترك، وحوار الأديان، والعروبة ذات الهوى السوريّ، ومعاداة إسرائيل التي هي “شرّ مطلق”، والتعلّق الصوفيّ بفلسطين. الفيل نام مع الفأر في سرير واحد، ونبذُ “التطرّف” بدا الغالب.

الإمام الصدر تحرّك يومذاك في رقعة الوسط العريض، مصحوباً بوعظ يدين المغالاة. قال ما معناه إنّ كلّ إيجابيّ نسبيّ وكذلك كلّ سلبيّ: فحتّى القمر له طرف مُعتم، وحتّى سمّ الأفاعي قد يصير دواء. لكنّ الوسط كان يتشقّق من جهة ويلتبس من جهة أخرى، فيما الوعظ، وهو غير مُستساغ عموماً، من أكثر ما يكرهه فِتيان يحسمون أمرهم ويزّيتون البنادق.

في جبّة الإمام

هكذا لم تحلْ “الحكمة” الصدريّة دون مشاركة شبّان أَمليّين في الحرب، هنا أو هناك. كتلٌ أهليّة شيعيّة، لا سيّما في البقاع، تنظر إلى الصدر بوصفه القائد والمرجع، فعلت ذلك أيضاً. وفي كونها خارج الحرب وداخلها، تكشّفتْ “أمل” مبكراً عن تعدّد الأجسام المقيمة في جسمها وعن تعدّد الرؤوس التي تصنع رأسها. فهي، في وقت واحد، طبقات اجتماعيّة متنافرة ومناطق متباعدة الهموم ووجهاء كثيرون متنافسون، ضُغطوا على عجل بما يسهّل حشرهم في جبّة الإمام.   

الأخير التزم، بعد الحرب، الموقف الرسميّ لـ “سوريّا الأسد”، وانضمّ تنظيمُه الجديد إلى “الجبهات” الحزبيّة التي كانت تهندسها دمشق بين وقت وآخر. موقعه هذا وقاهُ الراديكاليّتين المسيحيّة والدرزيّة – اليساريّة – الفلسطينيّة: الأولى كان يتمنّى أن يطول شهر العسل بينها وبين “بطل تشرين”، إذ احتمالٌ كهذا حالةٌ مثلى للصدر ولسعيه وراء التوازنات الوسطيّة. هذا، لسوء حظّه، ما قضت عليه “مبادرة” أنور السادات والمصالحة السوريّة – الفلسطينيّة التي أعقبتها. الراديكاليّة الثانية تراءت له ثعلباً جائعاً يحوم حول دجاجه. لقد اعتبرها محاولة لخطف قضيّة الجنوب ولإبقاء الجنوبيّين في نزاع مدمّر ودائم يستحيل فيه الانتصار ولا يحضر إلاّ الموت المُعمّم. هكذا بدا له “الحلّ” السوريّ مخرجَاً نظريّاً من صراع الأقصيين المسيحيّ والفلسطينيّ، والنظريّة كانت سهلة: السوريّون دخلوا لبنان في 1976 بموجب تسوية إقليميّة قد تهدّىء الأوضاع المضطربة في الجنوب، أمّا في البقاع فالعلاقة الجيّدة بدمشق مطلب بقاعيّ ثابت لألف سبب وسبب. إذاً، إكسير الحياة يؤتى به من وراء المصنع.

. AFP PHOTO DOMINIQUE FAGET (Photo by DOMINIQUE FAGET / AFP)


في هذه الغضون، لجم النظام السوريّ منظّمة التحرير الفلسطينيّة وحلفاءها اللبنانيّين، كما اغتال كمال جنبلاط. أمّا الزعماء الشيعة التقليديّون، ككامل الأسعد وعادل عسيران وعبد اللطيف الزين، فلزموا بيوتهم: الأسعد على مضض. عسيران عن تعب… الأكبر سنّاً بينهم رحلوا عن عالمنا: صبري حمادة توفّي في 1976.

لكنّ “عمليّة الليطاني” في آذار 1978، والتي تأدّى عنها احتلال صغير، بالقياس إلى احتلال 1982، برهنت أنّ الأماني الجديدة لن تكون أوفر حظّاً ممّا كانت عليه في 1976. بعد أشهر، وكانت الجزائر قد نقلت له دعوة ليبيّة، حطّ الصدر في ليبيا. زعيمها معمّر القذّافي كان أحد أكثر المتشدّقين بالعداء لإسرائيل والتضامن مع ضحاياها العرب. الشيخ محمّد يعقوب والصحافيّ عبّاس بدر الدين رافقاه في رحلته.

أغلب الظنّ أنّ “السيّد موسى” كان يبحث عن دعم عربيّ للجنوب فيما “الأخ العقيد” كان يبحث عن شيء آخر. في الحالات كافّة، اختفى الإمام ورفيقاه هناك.

إنّه بهشتي…

لقد شاعت لاحقاً روايات كثيرة عن اختفائه، أكثرها ترجيحاً لا علاقة له بفلسطين وإسرائيل، ولا حتّى بلبنان أو ليبيا. فما أراده القذّافي من دعوة الصدر كان جَمْعَه برجل دين شيعيّ آخر هو الإيرانيّ محمّد بهشتي، ومصالحة الاثنين. بهشتي كان يومذاك إمام مسجد في ألمانيا يوالي روح الله الخمينيّ المنفيّ في فرنسا. كان، فوق هذا، أحد أكثر رجال الخميني تزمّتاً والتزاماً بصراطه المستقيم. تاريخه اللاحق، بعد انتصار الثورة، أكّد ذلك: لقد بات قائدَ الجناح الأشدّ تطرّفاً في السلطة الجديدة، على رأس حزب أسّسه وسُمّي “الحزب الجمهوريّ الإسلاميّ”. بهشتي بات أشرس مَن ناهضوا المهدي بازركان بعد تولّيه رئاسة الحكومة الجمهوريّة الأولى، وأشرس مَن ناهضوا أبو الحسن بني صدر بعد تولّيه رئاسة الجمهوريّة الأولى. إنّ إسلامهما غير كافٍ، في نظره، وعداءهما للغرب غير كافٍ أيضاً. منظّمة “مجاهدي خلق” ما لبثت أن اغتالت بهشتي في عمليّة إرهابيّة ضخمة نفّذتها في أواسط 1981.

الإمامان، الإيرانيّ المتشدّد في ولائه لـ “ولاية الفقيه”، واللبنانيّ الواقف في الوسط بين الشاه والخميني، كان ينبغي لهما، وفق العقيد، أن يتصالحا. مصالحتهما، إبّان الإعداد للثورة الإيرانيّة، تخاطب فيه وَلَعَه بدعم الثورات وتمويل “حركات التحرّر” من كلّ نوع، مثلما تداعب حرصه على الظهور بمظهر الراعي لفاعلِين سياسيّين في لبنان.  

الصدر حضر إلى طرابلس لكنّ بهشتي لم يحضر. لقد أحسّ الأوّل بالإهانة، خصوصاً وقد طال انتظاره هناك من غير أن ينجح في مقابلة العقيد. حزم حقائبه وتوجّه إلى المطار بهدف السفر إلى إيطاليا، لكنّ القذّافي تلقّى في تلك الغضون تحذيراً من بهشتي ينبّهه من “عمالة” الصدر. أزلام العقيد توجّهوا إلى المطار لمنعه من السفر. حقائبه وحقائب رفيقيه وصلت فعلاً إلى روما لكنّ أصحابها لم يصلوا. أمنيّو ليبيا هؤلاء تصرّفوا، على ما يبدو، بكثير من الخشونة مع الإمام. سيّد طرابلس استاء حين علم بتجاوزهم تعليماته، إلاّ أنّ حرجه بانكشاف ما جرى منعه من إطلاق سراح “ضيفه”. كان لا بدّ إذاً من “إخفائه” تلافياً للفضيحة.

يعزّز هذه الرواية علاقات الصدر بالإيرانيّين. فأصحاب الأسماء الذين ذُكروا بوصفهم على صلة به، أو صداقة معه، كانوا كلّهم من معارضي الشاه، لكنْ أيضاً من كارهي التطرّف الإسلاميّ الذي كان بهشتي أحد أبرز رموزه. لقد جاؤوا من البيئة المُصدّقيّة لـ “الجبهة الوطنيّة” ثمّ “حركة حريّة إيران” التي تولّى بازركان قيادتها. كلّهم كانوا من نجوم ثورة 1979 في طورها الأوّل، لكنّهم كلّهم واجهوا مصائر مأساويّة وشبه مأساويّة على يدها ويد المتتلمذين على “الشهيد” بهشتي: صادق قطب زادة تولّى عدداً من المناصب بينها النطق بلسان الخمينيّ، ثمّ وزارة الخارجيّة، لكنّه أعدم رمياً بالرصاص في 1982 بتهمة “التآمر على النظام”. تردّد أنّ شريكه في “التآمر” لم يكن أقلّ من آية الله شريعتمداري، رجل الدين الكبير المتحفّظ على “ولاية الفقيه”. ابراهيم يزدي، أوّل وزراء خارجيّة الثورة، استقال مع أزمة الرهائن الأميركيّين ونشط كمعارض معتدل على رأس “حركة حرّيّة إيران”. اتُّهم بـ “تهديد الأمن القوميّ” في 2011 وحُكم عليه بالسجن ثماني سنوات. صادق طباطبائي، ابن شقيقة الصدر، كان نائب بازركان في رئاسة الحكومة. انتقل إلى ألمانيا لاحقاً وهناك توفّي. مصطفى شمران تولّى وزارة الدفاع في حكومة بازركان. توفّي بعد إصابته بشظيّة في 1981 إبّان الحرب العراقيّة – الإيرانيّة. تلك الشظيّة وُصفت بـ “الغامضة المصدر”.

شمران وقطب زادة سُمّيا، في الأيّام الأولى للثورة، “المافيا السوريّة” في بلاط الخميني. أغلب الظنّ أنّ الصدر هو مَن بنى هذا الجسر بين الطرفين. هو، مثلاً، مَن وفّر لمعارض الشاه، قطب زادة، بطاقة عملٍ كمراسل في باريس لجريدة “البعث” السوريّة، وهو من استقدم شمران في السبعينات إلى لبنان ليكون “المسؤول التنظيميّ” الأوّل لحركة “أمل” ومن أوائل مدرِّبيها.

الحسيني وبرّي

الطامحون في بيروت كانوا كثيرين، لكنّ اثنين منهم كانا الأبرز: حسين الحسيني بدا الوجه الأكثر تأهيلاً للحلول على رأس “أمل”، وهذا ما حصل: في أواخر أيلول 1978 انتخب الحسيني أميناً عامّاً “لمقتضيات المرحلة الطارئة في غياب سماحة الإمام القائد”. بعد سبعة أشهر انتُخب برّي أميناً عامّاً مساعداً.

الحسيني كان من أوائل الذين اعتنقوا الدعوة والتفّوا حول الإمام. وهو، فضلاً عن رئاسته بلديّة شمسطار، فاز في انتخابات 1972 نائباً عن بعلبك الهرمل. إلى ذلك، هو نجل وجيهٍ محلّيّ وملاّك أراضٍ (علي الحسيني) كان على صلة تجاريّة وعقاريّة وثيقة بآل السكاف في زحلة. عبر الحركة الجديدة، راح يتدرّج من زعامة صفّ ثانٍ في قضائه إلى زعامة صفّ أوّل في طائفته. لكنّ إحدى نقاط قوّة الحسيني هي التي غدت لاحقاً إحدى نقاط ضعفه: ذاك أنّ من أبرز أدواره في “أمل” توطيد الصداقات مع البيئة المسيحيّة، خصوصاً ريمون إدّه وجريدة “النهار”: فـ “السيّد حسين”، فضلاً عن صلته بالطاقم السياسيّ التقليديّ، ينتسب إلى منطقة كانت جزءاً من متصرّفيّة جبل لبنان، عائلاتُها، بما فيها عائلته، موصولة بأقارب لها في الجبل. لقد كان هادئاً، ومع أنّه ذو تكوين صلب فهو ليس من طبيعة نضاليّة. عالمه عالم السياسة اللبنانيّة التقليديّة، لا عالم التنظيمات والفصائل والسلاح. التحالف الشيعيّ – المسيحيّ هو الماء الذي يجيد السباحة فيه قبل أن ينضاف إليه التعايش المسيحيّ – السوريّ.

أصغر منه بعام واحد كان نبيه برّي، المحامي الصاعد في الحركة. بعثيّ في شبابه، ثمّ طامح إلى زعامة أوصدها في وجهه كامل الأسعد، علماً بأنّ آل فوّاز هم زعماء قريته، تبنين، وأكبر عائلاتها. رغم ذلك اصطحب الأسعد على لائحته، في 1964، محامياً من تبنين عائلتُه أصغر من آل برّي الصغيرة. المحامي، واسمه عبد الله الغطيمي، وصل عامذاك إلى البرلمان. تلك القرية تتمتّع برمزيّة أبعد تمنحها معنى التحدّي لمن يريد أن يتحدّى: قلعتها كانت مقرّ ناصيف النصّار، جدّ الأسعديّين.

لكنْ لئن كان الحسيني صلة الوصل مع الجوّ التقليديّ المسيحيّ، الذي أفل نجمه بعد “حرب السنتين”، فإنّ برّي كان صلة الوصل مع المقاومة الفلسطينيّة و”الحركة الوطنيّة” وأحزابها. صحيح أنّ تلك القوى لم يصعد نجمها بعد تلك الحرب، إلاّ أنّ تعلّم السياسة والمكائد على يدها، أنفع وأشدّ فائدة، في الزمن الجديد، من تعلّمه على يد ريمون إدّه وغسّان تويني.

وبرّي ليس ضابطاً، وبالتأكيد ليس سوريّاً، لكنّ سيرته وصعوده يشبهان سِيَر الضبّاط السوريّين في صعودهم. هذا ما مهّد للبعثيّ السابق الطريق إلى قلوب “الزملاء” المؤثّرين في دمشق. إلى ذلك اتّصف “الأستاذ نبيه” بفصاحة مؤكّدة يُعرف بها بعض أعيان القرى ومتكلّميهم. وهو، على ما يبدو، سمع أخبار أحمد الأسعد “الشعبيّة” التي كان يأسر بها بسطاء الريف، فحفظها وطعّمها بقصائد لشعراء مجّدوا الجنوب والصمود والمقاومة والتبغ. هكذا بات كامل الأوصاف، ما أتاح له أن يبيع السجّاد لبيوتٍ بلا أرضيّة.

لقد مثّل الحسيني استئناف الحيرة الصدريّة في زمن يتطلّب الحسم، أيّاً كان الحسم. ومنذ القرن الرابع عشر، اكتشف الفرنسيّ جان بوريدان أنّ طول الحيرة والضياع بين الخيارات قد يقضيان بالموت جوعاً على الحائر. برّي، الذي اختار منذ بداياته أن يكون حاسماً، لا يريد إلاّ أن يأكل.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*