الرئيسية / مقالات / الصراع الأميركيّ-الإيرانيّ على العراق… ما حدود “تفوّق” طهران؟

الصراع الأميركيّ-الإيرانيّ على العراق… ما حدود “تفوّق” طهران؟

  • جورج عيسى
  • المصدر: “النهار”
  • 18 تشرين الثاني 2019 | 18:52
    النهار

ليس غريباً أن يكون ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمس” بالاشتراك مع موقع “ذي إنترسبت” الأميركيّ حول الوثائق التي تُظهر كيفيّة بناء إيران نفوذها داخل العراق، معلوماً لدى فئة واسعة من المتابعين على مستوى الإطار العام. ومع ذلك، فهو يكشف “أكثر بكثير مما كان معروفاً في السابق حول مدى استخدام إيران والولايات المتّحدة كمنطقة انطلاق لألعاب التجسّس”، وفقاً لمعدّي التقرير. أُرسِلت الصفحات السبعمئة إلى “الإنترسبت” الذي ترجمها من الفارسيّة إلى الإنكليزيّة وتقاسمها مع الصحيفة. 

ولا تدري المنصّتان الإعلاميّتان من سرّب هذه المستندات. لكنّ “الإنترسبت” تواصل مع المصدر عبر وسائل مشفّرة حيث إنّه رفض إجراء لقاء مع أحد الصحافيّين. غير أنّ المصدر قال في رسائله المشفّرة إنّه يريد أن يجعل العالم “يعرف ما تفعله إيران في بلدي العراق”. لا يقدّم هذا البيان الكثير عن الأسباب التي دفعت المصدر المجهول إلى تسريب هذا الأرشيف الذي ألّفه مسؤولون من وزارة الاستخبارات الإيرانيّة، والذين كان يخدمون في العراق. وجمع هؤلاء تقارير وبرقيّات تعود بمجملها إلى سنتي 2014 و2015.

خطأ 2011

الصورة الواضحة الوحيدة الموجودة في هذا الأرشيف هو كيفيّة تفوّق إيران على الولايات المتّحدة في سيطرتها على العراق،  عبر اعتماد الصبر واستغلال الأخطاء الكثيرة التي وقعت فيها الإدارات الأميركيّة المتعاقبة. لكنّ هذا الاستنتاج ليس جديداً. اعترف الجيش الأميركيّ نفسه أوائل السنة الحاليّة بتلك الأخطاء في مجلّدين من ثلاثين ألف صفحة تظهر سلسلة العثرات الطويلة التي وقع فيها الأميركيّون. وجاء تقرير “نيويورك تايمس” و “ذي إنترسبت” ليؤكّدا ذلك مع مزيد من الأدلّة والتفاصيل.

تتّهم وزارة الخارجيّة في الإدارة الحاليّة الإيرانيّين بقتل أكثر من 600 جنديّ في العراق. لكنّ تمكّن إيران من ارتكاب هذا العدد من الاغتيالات، إضافة إلى وضع البلاد تحت مظلّتها الأمنيّة والسياسيّة، ما كان بإمكانه أن يتمّ لولا طريقة إدارة واشنطن لسياستها العراقيّة. ثمّة مثل بسيط يجسّده الانسحاب الأميركيّ من العراق سنة 2011 وهو قرار سبق لبوش الابن أن اتّخذه ونفّذه لاحقاً باراك أوباما.

في ذلك الوقت، تركت “وكالة الاستخبارات المركزيّة” (سي آي أي) العديد من جواسيسها العراقيّين من دون وظائف ومن دون غطاء أمنيّ. بدّل هؤلاء ولاءاتهم وتواصلوا مع الإيرانيّين لكسب المال والأمان مقابل معلومات كثيرة أدلوا بها عن عمليّات “سي آي أي” ومقرّات اجتماع مسؤوليها في العراق، أكان في الفنادق أو في منازل محميّة. كذلك، أمّنوا لإيران معلومات عن طريقة التدريب التي نالوها على يد عناصر الوكالة، إضافة إلى معلومات عن أسماء العراقيّين الذين تجسّسوا لصالحها، وفقاً لما جاء في “نيويورك تايمس” و “إنترسبت”.

أثار انسحاب أوباما من العراق حينها، ولا يزال، انتقادات كثيرة من المحلّلين الأميركيّين باعتباره مهّد الطريق لبروز داعش. في أحد مقالاته، قدّم المسؤول السابق في البنتاغون مايكل روبين حسابات أوباما بوصفها سياسة خبيثة. قيّم أوباما الوضع على طريقته فرأى أنّه إذا لم ينتج الانسحاب تداعيات أمنيّة سلبيّة سيقطف ثمار ذلك ويدّعي أنّه صاحب الإنجاز. لكن لو أسفر الانسحاب عن فراغ أمنيّ خطير، فسيلقي حينها مسؤوليّة القرار على سلفه بوش.

جهد عبثيّ

ارتدّت سياسات أوباما عليه لاحقاً، بعد العودة إلى العراق لمحاربة داعش. صحيح أنّه بين عامَي 2014 و2015، كانت إدارته منشغلة بمحاولات إنجاح مفاوضات الاتّفاق النوويّ مع إيران. لكن مع ذلك، حاول أوباما الضغط على العراق من أجل إغلاق مجاله الجوّي أمام الإيرانيّين الذين كانوا يريدون فتح خطوط إمداد جويّ لمساعدة نظام الرئيس السوريّ بشار الأسد على محاربة المعارضة المسلّحة. لم تنجح إدارة أوباما في مساعيها. وذكرت الوثائق أنّ وزير النقل العراقيّ السابق باقر جبر استقبل قائد “قوّة القدس” قاسم سليماني في خريف 2014 حيث طلب منه الأخير فتح الأجواء أمام طيران بلاده. وبعدما رحّب جبر بهذا الطلب، قبّله سليماني في جبينه، وفقاً للوثائق.

كشف الأرشيف أيضاً أنّ الإيرانيّين قدّموا الرشوات لاستمالة مسؤولين عراقيّين إلى جانبهم. لكنّ بعضهم تقرّب من إيران بناء على الانتماء المذهبيّ وحتى على أهواء شخصيّة. في أواخر 2014 أيضاً، اجتمع مسؤول استخباريّ عراقيّ مع نظيره الإيرانيّ وقال له: “إيران هي بلدي الثاني وأنا أحبّها”، مضيفاً أيضاً أنّه يحبّ طبيعة الحكم الإيرانيّ والأفلام الإيرانيّة. وقال إنّه حمل رسالة من مدير المخابرات العسكريّة في وزارة الدفاع اللواء حاتم المكصوصي جاء فيها: “أَخبِرْهم أنّنا بخدمتكم. مهما كان ما تحتاجون إليه فهو في تصرّفكم. نحن شيعة ولدينا عدوّ مشترك. كلّ استخبارات الجيش العراقيّ اعتبِروها لكم”. لكنّ المكصوصي المتقاعد نفى، في مقابلة، أنّه عمل لصالح إيران.

قدرة الإيرانيّين على استمالة المسؤولين العراقيّين تعدّ نقطة قوّة لصالحهم. لا يرجع الأمر إلى الرشاوى والعامل المذهبيّ فقط. على سبيل المثال، تشير الوثائق إلى أنّ رئيس البرلمان العراقيّ السابق سليم الجبوري كان مقرّباً من الإيرانيّين على الرغم من أنّه سنّيّ. لكن أحد مستشاريه كان “أصلاً” إيرانيّاً وفقاً للوثائق، وقد سمّاه الإيرانيّون “مصدر 134832”. النقطة اللافتة في الوثائق هو تمكّن إيران من بناء الثقة مع بعض المسؤولين العراقيّين، إذ كان البعض يجتمع مع الأميركيّين ثمّ يذهب مباشرة لإخبار الإيرانيّين ما دار من حديث. وهذا ما حصل بعد اجتماع لرئيس حكومة كردستان السابق نيجيرفان بارزاني، في كانون الأوّل 2014 مع مسؤولين أميركيّين. بعد انتهاء الاجتماع، تواصل بارزاني “بشكل شبه فوريّ” مع مسؤول إيرانيّ ليخبره بمداولاته.

صراع خفيّ في إيران؟

على الرغم من أنّ الوثائق سلّطت الضوء على تفوّق طهران على واشنطن “عند كلّ منعطف”، كما كتب جيريمي شاهيل ومرتضى حسين في “الإنترسبت”، يبقى أنّ التسريبات تُظهر مكامن ضعف محتملة في إيران نفسها. ذكر التقرير أنّ وزارة الاستخبارات الإيرانيّة تعادل “سي آي أي” في إيران، ولديها سمعة مبنيّة على قدرة التحليل والعمل المهنيّ. لكنّها عادة ما تقع تحت ظلّ منظّمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري والتي أسّسها المرشد الأعلى آية الله على خامنئي سنة 2009. هذا الصراع الخفيّ بين “الوزارة” والحرس الثوريّ انسحب على ميادين أخرى سبق أن برزت فيها التوتّرات.

في شباط الماضي، استقال وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمّد جواد ظريف موقتاً عقب عدم إبلاغه بزيارة الأسد إلى إيران في شباط الماضي. تراجع ظريف لاحقاً عن الاستقالة بعد تأكيد سليماني دور وزارته الأساسيّ في صياغة السياسة الخارجيّة. وأظهرت الوثائق أنّ سفراء إيران في العراق وسوريا ولبنان يُختارون من العناصر البارزة في الحرس الثوريّ وخصوصاً فيلق القدس لا من وزارة الخارجيّة. إن صحّ هذا الطرح فسيعني أنّ مكامن الصراع بين الطرفين قد تصل إلى مستوى التنظيم أيضاً.

محور اهتمام العراقيّين

قدّمت الوثائق تفاصيل جديدة عن الصراع الأميركيّ-الإيرانيّ في العراق خصوصاً بين سنتي 2014 و2015. وإذا كانت طهران قد أجادت استغلال الأخطاء الأميركيّة لصالحها، فإنّها استطاعت كسب موالين سياسيّين، لكنّها أخفقت إلى حدّ بعيد في كسب ودّ جزء كبير من الشباب العراقيّ خصوصاً في الجنوب حيث الثقل الشيعيّ. تعدّ احتجاجات 2018 و2019 ضدّ النفوذ الإيرانيّ في العراق أحد البراهين على ذلك. لا يريد كثير من العراقيّين اليوم، خصوصاً الفئات الشابة من المحتجّين، صراعاً إيرانيّاً-أميركيّاً على أرضهم، بصرف النظر عن هويّة المنتصر. ما يريدونه دولة بعيدة من المحسوبيّات والهدر. والصراع المذكور يساهم في تقويض أسس دولة كهذه.

اضف رد