الرئيسية / home slide / الصخب والغضب

الصخب والغضب

13-01-2021 | 00:59 المصدر: النهار

سمير عطالله

الصخب والغضب

“ما الحياة إلاّ ظل قليل يخطو، ممثل فاشل، يمشي حانقاً ومتبختراً على المسرح، ثم لا يعود يُسمع. إنها حكاية يرويها غبي مليء بالصخب والغضب، ولا معنى لها”.ماكبث لم أجد أفضل من هذه المقدمة، ولو أنني استخدمتها كثيراً من قبل، مما يوحي أنني اكرر الاستعارة من منبع واحد. ولكن أوجه الشبه بين الاسكوتلنديَّين، #دونالد ترامب وماكبث، لا تقاوم في مثل هذه الاغريقيات المرعبة. كل شيء فيه كان مسرحاً وضوضاء، حتى الستارة الأخيرة أصرّ على أن يسدلها بنفسه، بعد جولة مروّعة من الصخب والغضب، لأن ساحرات ماكبث كنَّ قد وعدنه بأن يصبح ملكاً، فإذا الولاية يتيمة. ظلٌّ قصير، يقول شكسبير، لن يدوم طويلاً. لكن عندما رأى دونالد ترامب انه لم يبقَ شيء لم يحطمه في المرآة، تراجع قليلاً، وطلب من سيدته الجميلة حزم الحقائب. لن  يستطيع ضم البيت الأبيض الى أبراجه. لا بد من تسليم المفاتيح الى المنتخَب الجديد. و#الدستور. والجمهورية. لكن في غضون ذلك عاشت اميركا، وعاش معها العالم، اربعاء الرماد، ما في قصيدة تي. اس. ايليوت. رعب وخوف من اليمين الاميركي وهو ينفلت في وجه الدستور ومبناه ونصوصه، وينقلب على العاصمة متوحشاً، رافضاً بند الديموقراطية الأول: قرار الناخبين وخيارهم. ليس ان المشهد لا يليق بالكابيتول، روما الحديثة، المشهد لا يليق بأحد. مَن منّا رأى المتظاهرين يقتحمون حرم البرلمان، في لندن أو باريس؟ آه، طبعاً، حدث ذلك في مدريد يوم اقتحم جنرالات فرانكو “الكورتيس” الاسباني لإسقاط الديموقرطية. السلوك الفاشي واحد في كل مكان. وفي كل الازمنة. لكن الغرابة التي حدثت في واشنطن الأربعاء الماضي، لم يكن يتصورها احد. وفي الوقت نفسه كان الجميع يتوقعون من الرجل الذي اصبح رئيس اميركا، اي شيء: حرب اهلية، الاعتصام في البيت الأبيض. أي شيء.  ما من عهد رئاسي في العالم، حفل بما حفلت به سنوات ترامب الأربع. طَرد المستشارين، ووزراء الدفاع، ووزراء الخارجية. وكان آخر من أهانه يوم الأربعاء، نائبه مايك بنس، الذي رفض مجاراته في هلوسات الساعة الأخيرة ومحاولة قلب الدستور، واقتحام الزعران للمجلسين. ارتعدت اوروبا مما تشاهد. وسارع جاستن ترودو، في اوتاوا الى الاعلان ان كندا تتابع ما يجري في واشنطن دقيقة بدقيقة. فالحدود بين البلدين على امتدادهما، من الشرق الى الغرب. وكان ترامب قد اساء التصرف بغطرسة مع ترودو، كما فعل مع ايمانويل ماكرون وانغيلا ميركل.  أكثر ما كان يخيف في المرحلة الترامبية ان 75 مليون اميركي انتخبوه في المرة الأولى، والثانية.  فهو عندهم الرجل الذي سوف “يغلق” اميركا ويطهِّرها. لذلك، خاض جو بايدن معركته على الشعارات المناقضة تماماً: رفع الحظر عن هجرة المسلمين، والتوزيع العادل لحقوق غير البيض، بدءاً بنائبة رئيس هندية الجذور، فائقة الثقافة والعلم والاحساس بقضايا الناس. ما من مرة كان وصول الرؤساء هو المهم. الأكثر أهمية، من اي باب تخرج، وماذا تترك خلفك، وكيف سيذكرك الناس، وفي اي مرتبة سوف يضعك التاريخ. وكل ذلك يقتضي ما يكفي من الشعور بالمسؤولية واحترام الناس والتزام المعايير الاخلاقية، التي تضبط الشهوات والعبث بالامانة، وعدم الازدراء بالدستور. خالف ترامب كل الاعراف، ممضياً كل يوم من ايام البيت الأبيض في صخب وغضب وتخايل مَرَضيّ معلّ. كلما نطق كلمة كان يتطلع في مَن حوله باحثاً عن الاعجاب بتفوقه. فكان رجلاً يحمل عقده النفسية الى أشهر بيوت الحكم في العالم، لكنه يضع خارجاً جميع القيم المفترضة. واستحال عليه ان يضع خارجاً ايضاً اسلوب بيّاعي العقارات ولغتهم. في البيت الأبيض رجل لا يكلم إلا نفسه، ولا يسمع إلا نفسه، بالكاد قرأ كتاباً غير دليل المبيعات العقارية. كانت النهايات شبه متوقعة. عرض الرجل مقدماتها يوماً بعد يوم. حيوية فارغة متغطرسة منفلتة في وجه العالم. رئيس اميركا يقارع كبار علمائها وينصح مواطنيه بتناول مسحوق الغسيل للشفاء من كورونا. والناس تموت واقفة في الشوارع. وترامب يخطب ويغرد. يغرد ويخطب. وعقلاء العالم يرتجفون، اميركا الى اين؟ وعقلاء اميركا ينتظرون موعد الاقتراع، قبل ان يبلغ الضرر حداً جنونياً. لكن ترامب رفض نتائج الانتخابات قبل صدورها. وراح يصعّد في الصخب والغضب. وعلى رغم كونه رئيساً للبلاد، أخذ يحرّض الزمر والغوغاء على العصيان ورأينا بعض هؤلاء في الصور يشبهون تشارلز مانسون، بلحيته وثيابه، سفاح الممثلة شارون تيت. ابتدع اليونانيون القدامى الديموقراطية من اجل ضبط النزعة الديكتاتورية المتوحشة في الانسان وضبط الضعف البشري واهواله، ومدى ما يمكن ان يصل اليه في اغتراره بنفسه. حتى كبار بناة الغرب الحديث، ضعفوا امام التجربة، وحاولوا البقاء في بيت السلطة: شارل ديغول ومارغريت تاتشر، مثالاً. لكن النظام كان يتكفل الحل ضمن السياق الديموقراطي. ولا يملّ المؤرخون من ضرب المثل بهزيمة تشرشل في الانتخابات بعدما قاد عملية انقاذ بريطانيا في الحرب. لكن ايضاً، المقارنات أو المشابهات، بلهاء احياناً. فذاك ونستون تشرشل عبقري الامبراطورية، وهذا ترامب “حربوق” الابراج. والتاريخ يُكتب دائماً بمفرقين. رجال منه وله، ورجال للصخب والغضب والاصغاء الى الساحرات الثلاث. شعر العالم كله بالضيق من النفق الذي عبرته اميركا، بطول كيلومترين، ما بين  البيت الابيض والكابيتول. بدت المؤسسات الأم معلقة كما في الدول الصغيرة حيث تبقى الرئاسات خاوية اعواماً، والحكومات خالية والدول غياب. وها نحن نبحث في مؤتمر يعيد تأسيس الوطن والدولة، ونحن عاجزون عن تشكيل حكومة بسبب حصة الداخلية أو العدل. وربما وزارة الشباب والرياضة. أو تلك الوزارات التي اختُرعت للسيدات مثل “جزادين” بدل حقائب عمل. وبدا من زهو الوان الجزادين يومها أننا نعيش سعداء نغني في مملكة “كاملوت” والملك آرثر، فيما كان قصر الرمال ينهار من تحتنا، كومة كومة، دون توقف. وما بقي شيء، حتى للإنهيار. “النهاية”، كما تسدل في نهاية الافلام، كانت في مرفأ 4 آب. هناك كانت خاتمة السوريالية الآسنة، أو هكذا خُيّل إلينا، ونحن نرى بيروت، مرة أخرى، تحت ركامها، والذين دُمّرت بيوتهم يتظاهرون في الميناء، اعيدونا الى الانتداب. ارفعوا عنا الجحيم.   شاهدتْ السلطة هذه الصورة كما شاهدت غيرها. وانصرفت الى ما هو اكثر أهمية في قضايا المصير: فتاوى دستورية تصحح “عفونة” هذا الدستور. وحاكم المركزي يبلغنا اليوم ان ربط الليرة بالدولار انتهى. بعد ماذا يا مولانا؟ هل في إمكانك ان تلمح ليرة أو دولاراً تربطهما ببعض؟ دعنا، وربك، في همنا الأول والأخير: ثلث ضامن أو ثلث مضمون. الباقي… سلامتك، كما في اسم العائلة. اربع سنوات صغيرة. مونولوغ في تمجيد النفس وتحقير الخصوم. “اميركا اولاً” تعني هو اولاً. انصرف من حوله العقلاء في وجل وخوف على اميركا. انتخبته اميركا الى اعلى مراتبها، فبادلها برفض نظام الاقتراع، وتحطيم البرلمان وكل ما هو ليس هو، أو ما يليه. ثقيلة هي أعباء البشر.