الرئيسية / مقالات / الصحافي الموظَّف عند السياسي

الصحافي الموظَّف عند السياسي

جهاد الزين
النهار
19072018

أسباب تراجع، وأحيانا تدهور، الصحافة اللبنانية كثيرة. أحد معالم هذا التدهور هو نشوء ظاهرة متمادية هي ظاهرة مندوبي السياسيين داخل الصحف المفترَض أنهم يعملون بواجهة أنهم مندوبو الصحف لدى السياسيين.

لا أنفي حاجة الصحف المهنية إلى دور صحافيين مقرّبين من السياسيين أو الجهات السياسية، لكن اختلّ التوازنُ الآن اختلالا شديدا لصالح فئة مندوبي السياسيين في الصحف بينما عدد وحضور الصحافيين الممثلين فعلا لصحفهم الذين يذهبون إلى “مراكز” صنع القرار المحلي يتضاءل بما يُغيِّب أو يكاد بديهة مهنية أساسية: وهي أن المطلوب تغطية مواقف المسؤولين السياسيين والاقتصاديين وليس مجرد ترويجها، ومما يُفقِد حاليا معظم أخبار الصحف الآتية من مصادر محلية أي قيمة خبَريّة جادة فتصبح رسائل التغطية السياسية رسائل مفخخة ومدبلجة وليس تغطيات معلوماتية جدية عنهم. والواضح، ومنذ فترة طويلة أن ظاهرة الصحافي الموظّف عند السياسي بالمعنى الحرفي للكلمة، أي الصحافي الذي يتقاضى راتبا من مؤسسة رسمية “يملكها” السياسي سياسيا أو هو صاحب نفوذ فيها، هي ظاهرة مكرّسة وباتت تصبح “طبيعية”.

لا أتحدث هنا عن زملاء يمارسون مهنة المستشار الإعلامي في مؤسسة رسمية أو ملحقين علنا لدى مراجع رسمية ويعملون مع الصحف، وليس لديها، لصالح تعزيز أخبار من يعملون معهم. ولا أتحدث عن صحافيين تربطهم علاقات بسياسيين، ولا حتى عن صحافيين كوادر في مؤسسات لا علاقة لها بأدوارهم كمراسلين مباشرين، هذه مهمات طبيعية ومشروعة أينما كان. أتحدث عن وظيفة إسمها المندوب لتغطية أخبار هذا السياسي أو ذاك وهو في الحقيقة مجرد موظف عنده… حالة شائعة تجعل ما هو من المفترَض أن يكون خبراً مجرد دسائس متبادلة بين السياسيين أو كلمات فارغة عن أفكارهم التبريرية في الشأن العام “مهمة” الصحف هي ترويجها!

زادت الظاهرة عن حدها، لا سيما في مرحلة تراجع عدد قراء الصحف. والمطلوب هو إعادة التوازن بين الفئتين من المراسلين: فئة مندوبي الصحف وفئة مندوبي السياسيين.لكي يعود للخبر والتقرير المحلّيَيْن جاذبيتهما الإخبارية وقراؤهما المنتظِرين والمنتظَرين.

يجب أن نعرف مِنَ المسؤول والسياسي، ولكن يجب أن نعرف عنه. هذا هو التوازن، وهو مختلّ حاليا إن لم يكن مفقودا سوى في توازن العداوات الخبرية.

بعض أكبر أخبار البيت الأبيض حيث الغرفة الدائمة للمراسلين (عدا الذين بات يطردهم دونالد ترامب وهذه سابقة في سلوك الرؤساء) جاءت من المراسلين المعتمَدين في هذه الغرفة. أعني بالخبر الكبير ليس المعلومة السلبية فقط بل أيضا المعلومة عن قرار كبير لم يكن يخطط الرئيس لإعلانه فيأتي المراسل ويحصل عليه وينشره. حتى في وكالة المخابرات المركزية “السي آي إي” حيث هناك تقليد بإرسال مندوبين دائمين للصحف الأميركية لا يرتبط وجود أو استمرار وجود المندوب بتغطيته “الموالية” للوكالة بل العكس صحيح أحيانا.

الصحافة في مرحلة تأسيسية حاليا شئنا أم أبينا سيتوقف عليها إمكان البقاء أو عدمه. وتطالنا جميعاً. طبعا قضايا إعادة التأسيس أوسع بكثير وأضخم من الظاهرة التي أتحدث عنها. لكن هذه الظاهرة هي أحد معالم فقدان ثقة جيل جديد متزايد من القراء لا نعرف كيف نصله ولم يعد مقتنعاً هو ما هو دور الصحف حتى على الديجيتال.

تذكّروا عن أي طبقة سياسية. نطالب بالتوازن الخبري معها!

إنها، بالنتيجة، دعوة لتوازن قِيَمي.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد