الرئيسية / home slide / الصبر المرّ… لا أحد هنا، لا ظلال هناك

الصبر المرّ… لا أحد هنا، لا ظلال هناك

20-08-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

الصبر المر.

ضياء الأسدي

مرة أخرى يطعمنا الكاتب والمخرج المسرحي د. #جواد الأسدي من صبره المرّ، ويقتادنا إلى فناءاته الإبداعية عبر وشيجه المتصاعد، الذي يصل إلى ذروة الولوج في يوميات الوطن والمواطن عبر نصّيه المسرحيين في كتاب جديد يحمل عنوان “#الصبر المرّ”، وهو من القطع المتوسّط يقع في ثمانين صفحة، أصدره عن دار النهار للطباعة والنشر في بيروت قبل أيام.
“الصبر المرّ” هو خلاصة لمرحلة قاتمة غمرت شخصيات النصّ الغارقة في جحيمها المقدّس، دبّجها الأسدي بحنكته العالية في العزف على أوتار اللغة المتصاعدة والتشابك العنيف في مجريات أحداث العمل الذي يجبرك على التعلق بغضون أحداثه المرفوعة على جناحين كما يصوّر “جليل” همهماته وهو أحد أبطال العمل قائلاً:

“طفولتي مرفوعة هناك على جناحين، تعصف بهما الريح عالياً نحو الأقاصي، عاصفة غدرت بأهلي المكسورة عظامهم، وجوعهم نديم الحطب والنار، شربت الماء من فم أمّي التي انهمرت دموعها مطراً دوّخني، وفي الطريق إلى الجريدة التي عملت بها ثمّة مسلحون بخمار أسود، خطفوني، من أمام الجريدة، أربعة ملثمين اقتادوني، من ذيل طفولتي، ورموني في زنزانة انفرادية، أمّي بشيلتها، ونعالها، وعباءتها وظهرها المنحني، بحثت عنّي في كوريدورات الصياح، فجراً كانت تمدّ عنقها في برادات الموتى لعلّها تصطاد زرقة عيني، أو قميص حنجرتي أو سروال قلبي، أو زهرة وجعي، ولأنها لم تعثر عليّ، مات صبرها على الأرصفة، صار ليلها بلا ليل، وجسدها بلا جسد، ذبلت عيناها، لا صوت لصوتها، ومن كثرة ما صاحت، نشف دمها على سواد عباءتها، بعد ثلاث سنوات في قيامة الزنزانة كتبت اسمي على بوابات الريح. ذات ظهيرة وجدتني أمي مرميّاً على رصيف مهجور، حملتني، داوتني من برد ومن جوع ومن نزف، ثمّ أعادتني إلى رحمها”.

هذا الوجع الهادر الذي غلّف ذاكرتنا وحيواتنا الضائعة، الألم المحشوّ في أضلاعنا المتكسّرة، الشجن العائم على آهاتنا النبيلة، جسّده البارع جواد الأسدي في نصّه المتخم بالدهشة، وفي تشابك شخوصه المولعة بالحقيقة، إذ منحها من مداراته المعرفية الكثير من الألق، رغم مراراتها المحترقة في أتون الحروب والخسارات، هذه الشخوص التي انتابها الإحساس بوجود أشباح تراودها وتدق أبوابها، وتغدق عليها بالكثير من الذنوب الثقيلة.

عن تلك الأرواح يخبرنا “سدير” بطل العمل أن “نعم، كأنني تعرّيت وهرولت في الصحراء، ثم قفزت على ظهر حيوانات ضارية، صرخت، عويت، استنجدت، توسّلت كمن وقع في هاوية غبار كثيف، اغتسلت في نهر النجوم، رأيت ممثّلين متورّمين ومخرجين حثالة، كاميرات ملوّثة وأضواءً وعواء!”.

أما شخصية جليل، الحانقة والمستاءة والمعجبة بطرائق الجلّاد رغم فشله في انتزاع الحقيقة، فيقول: “انتابني شعور حقيقي بأني أطير نحو الأقاصي على متن عربة تدفعني إلى سماوات حرّة ونجوم تتزاحم مع الريح!”، فيما يكتب “عزام” وصيّته بعد الندم العريض الذي اعتراه قائلاً: “خذ هذا المسدّس واقتلني، خلّصني من العار، ظلّي الذي يطاردني، وصيّتي إليك: اترك جثتي بلا دفن، اجعلها طعاماً للحيوانات، لا تشرد، خذ المسدّس أرجوك، ضع إصبعك على الزناد وأطلق الرصاص نحوي”.

وكعادته، بذل الأسدي قصارى جهده في تلغيم هذا الصبر المرّ، بالكثير من الأحداث التي تشعرك كأنك جزء لا يتجزأ منها، تغوص مع الممثلين على خشبة الحياة وتتلقف ما يسكب منهم من دموع وجحيم مرّ، كأنّ المتلقي يتبادل الأدوار والحكايات بل وحتى الشتائم التي تتطاير أحياناً من بين الجميع، وتوقعك في شرك الحبكة المتصاعدة، التي طالما يجيدها الأسدي ببراعة لا تتكرّر سوى في نصوصه العائمة في أقاصي الإبداع.

الكلمات الدالة

جواد الأسدي الصبر المر