الرئيسية / بالإشارة الى... / “الشيوعي” والكتائب: رغم نعرة الحرب وشياطينها

“الشيوعي” والكتائب: رغم نعرة الحرب وشياطينها

وليد حسين|الأربعاء05/02/2020
Almodon.com

يُفترض بالصورة أن تكون عادية، كسواها من صور لقاءات بين المشاركين في انتفاضة 17 تشرين (أنترنت)

كان يُفترض أن تمر صورة لقاء وفد من حزب الكتائب اللبنانية مع بعض قياديي الحزب الشيوعي اللبناني مرور الكرام على الشيوعيين المشاركين في الانتفاضة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، أسوة بباقي مجموعات الناشطين وفئات من اللبنانيين، بينهم الكتائب.

لغة الحرب البائدة
كان يُفترض بالصورة أن تكون عادية، كسواها من صور لقاءات بين أطراف سياسية تشارك في انتفاضة 17 تشرين، للتباحث في تكثيف الجهود والتنسيق لحماية المتظاهرين من الهجمة الشرسة التي تشنها الأجهزة الأمنية على الناشطين، توقيفاً واعتقالاً وتنكيلا.

والحزبان، الشيوعي والكتائب، عريقان في تاريخ لبنان، وشاركا واقتتلا في الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، إسوة بباقي الأحزاب. ثم توقفت الحرب، ووضعت أحقادها وضغائنها جانباً.

لكن تعليقات الشيوعيين على اللقاء، المتفاوتة بين مرحب ورافض، بدت إحياءً للغة الحرب البائدة. فرافضو اللقاء ومدينوه، استندوا إلى مشاركة الكتائب في الحرب ومجازرها – متناسين أن حزبهم شارك في الحرب نفسها – أو إلى تعاون الكتائب مع العدو الإسرائيلي. أما المرحبون باللقاء فاستندوا إلى تسامحهم وصفحهم عن ذنوب بعضهم البعض. وهذا يعني أن الحجة الأولى التخوينية ترفض الخروج من الماضي، والثانية متسامحة ورحبة. لكن الحجتين تشتركان في تنصيب الشيوعيين أنفسهم قوّامين على الوطنية ومستحقيها.

من رحّب باللقاء واعتبره عادياً وطبيعياً ويجب أن يحصل، إسوة بلقاءات باقي الأحزاب اللبنانية، اعتبر حزب الكتائب الحالي من الأحزاب اللبنانية المشاركة في الانتفاضة، حتى لو شارك في السلطة سابقاً. ومن رفض اعتبر أن النقاش مع حزب فاسد من أحزاب السلطة، وصاحب تاريخ في القتل والإجرام والعمالة، غير جائز ولا يشرّف الشيوعيين. وفي الحالتين ثمة من يعتبر نفسه أرفع من الجميع وأعلى كعباً، ويملك حصرية منح الشهادات في الوطنية والمقاومة. وهذا نسجاً على منوال حزب الله الذي يرسم الطريق الوطني للجميع، ويسدد خطاهم عليه!

اللقاء مع حامي النظام
هذا علماً إن لقاء الشيوعي والكتائب ليس الأول. فالحزبان التقيا سابقاً، وقتما كانت الحكومة والقوى السياسية منخرطة في مناقشة قانون الانتخابات النيابية الأخيرة في 2018. لكن للمفارقة أن من يدين لقاء القادة الشباب في الحزب الشيوعي مع الكتائب اليوم، لا يراجعون ضميرهم في لقاءات الشيوعيين مع بعض “الأحزاب الوطنية” التي نكّلت وقتلت خيرة القادة الشيوعيين في الحرب الأهلية. ولا يتذكرون أن جورج حاوي كان أول المبادرين إلى اللقاء مع قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، بعد انتهاء الحرب الأهلية.

الرافضون للقاء لا تتحرك ألسنتهم عندما يلتقي الشيوعيون بحركة أمل أو حزب الله أو غيرهما من أحزاب “محور المقاومة”، ويعتبرونها لقاءات عادية ومنطلقها وطني، بينما اللقاء مع الكتائب خيانة للتاريخ (؟!) ولا يراجعون أنفسهم حول مسألة أن حامي النظام اللبناني والسلطة، التي انتفض الكتائبيون عليها منذ بضعة سنوات، هو حزب الله “المقاوم”.

يسكن رافضو اللقاء مع الكتائب في غياهب الحرب، ويرفضون التقدم إلى الأمام عندما يتعلق الأمر بما كانوا يسمونه “الانعزالية”، ويتناسون قتلاهم عندما يتعلق الأمر بحزب “المقاومة”، المقاوم الأول لسقوط النظام الفاسد. لا يرون فيه حزباً زئبقياً يدفع بعض الشيوعيين واليساريين المؤيدين لبراميل الأسد في إبادة الشعب السوري، للهجوم على حاكم مصرف لبنان. ثم يدافعون عن الحزب نفسه، عندما ينصّب حكومته الجديدة المدافعة عن حاكم المصرف المركزي. وهو الحزب إياه المغالي في عدائه لأميركا ويريد طردها من العالم العربي، ويختار بعناية وزراء على صلة بالأميركيين، لعلهم يقنعونها بتحويل بعض الأموال إلى لبنان لإنقاذ خزينته المهترئة، كي لا يصاب اللبنانيون بمجاعة محتمة.

البقاء في الغيبوبة
لقد أصابت الانتفاضة الشيوعيين بالذهول، عندما رأوا حزب الله يسرق منهم فرحة النصر بسقوط النظام اللبناني المتهالك. لم يصدقوا أن حزب الله الحامي الأول للنظام. فركوا عيونهم أكثر من مرة. توضحت الصورة وباتت جلية لمعظمهم. بدا لهم حزب الله على حقيقته. رأوا الشبيحة يعتدون عليهم في كفرمان والنبطية وصور وبعلبك وفي ساحات بيروت، فتثبتوا من الأمر أكثر فأكثر. رأوا حزب الكتائب إلى جانبهم في الساحات ويهتف تقريباً هتافاتهم، وينتقد فساد السلطة والإجراءات المصرفية الحاجزة على أموال اللبنانيين. سمعوا الكتائبيين يرحبون بالتحركات ضد المصارف وبتكسير بعضها. فحاول بعض القياديين الشباب تكثيف التنسيق مع الكتائب أسوة بباقي الأحزاب والناشطين والمجموعات المشاركة في الانتفاضة. لكن البعض الآخر من الشيوعيين ما زال يدفن رأسه برمال حزب الله “الوطني والمقاوم ومكافح الفساد”، وما حمايته السلطة والنظام إلا خطأ، أو هفوة، غير مقصودة، سيعدل عنها عاجلاً أم آجلا. 

اضف رد