الرئيسية / أضواء على / «الشيوعي الأخير» الكاره للفلاحين: مذكرات جورج البطل

«الشيوعي الأخير» الكاره للفلاحين: مذكرات جورج البطل

 

 


وسام سعادة
القدس العربي
17122018

 

«التنظيم اللينيني هو تنظيم مافيوي». يتكثّف حول هذه الكلمات جزء غير يسير من خزانة الذاكرة التي أخرجها القيادي الشيوعي جورج البطل، لإبن بلدته مشغرة، المؤرخ اليساري فواز طرابلسي. مع ذلك، اجتمعت سلسلة الحوارات الممتعة واللاذعة، والممتدة من العام 2009 إلى ما قبل وفاة البطل في أيلول 2016، تحت عنوان «أنا الشيوعي الوحيد». إشكاليّ الأمر، لكنه ليس بطلسم، ذلك أن البطل حدّد قصده بدقّة: «أنا الوحيد من المجموعة القديمة الذي ظلّ على علاقة مع هذا الحزب». الحزب الشيوعي الذي تجتاز الحوارية الحافلة فتراته الجماهيرية وعهده السرّي، التزاماته الدولية والعربية، تطيّفاته المختلفة ونصيبه من الانهيار النهائي للحركة الشيوعية العالمية بالشكل الذي عرفها فيها القرن العشرون.
ليس ثمّة «خطيئة أصلية» في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني يسعى البطل إلى التكشيف عنها في شفهيات سرده، بقدر ما هناك «مفارقة أولى» هي نقطة الإنطلاق لإعادة تجميع قالب الحكاية، وهي أنّ هذا الحزب الذي نشأ في أشهره الأولى «هواتيّاً» إن صحّ التعبير، انتقل إلى الإحتراف يوم دخل الأرمن إليه في أيار 1925. من جهة، «تمركس الحزب عندنا بدخول الأرمن إليه»، ومن جهة ثانية «بدخول الأرمن اليه، دخل معهم التنظيم الحزبي اللينيني بأشد أشكاله ضيقاً»، وبخاصة ـ كما يتابع البطل ـ «الأرمن كان يحكمهم هاجس السرّية»، بفعل التاريخ الطويل للتشكيلات السرّية الأرمنية في نهايات الدولة العثمانية. بعد ذلك جاء الضغط من أجل «تعريب» الحزب ليحجّم طابعه الأرمنيّ المهيمن في البدايات، وطالما أنه بقياً حزباً موحداً في سوريا ولبنان لعقود طويلة، تترجم فيه الستالينية من خلال الزعامة الفظّة لخالد بكداش، الكردي الدمشقي، الذي يركّز مثلاً النقابي الياس البواري في مذكراته الصادرة من ستة أشهر والمكتوبة في الثمانينيات كيف أنّه كان يركّز على تحطيم كل من يلمع نجمه داخل الحزب، وخصوصاً مع صعود شعبية النقابي البيروتي مصطفى العريس، في حين يستعيد البطل الثنائية الميثولوجية الحزبية، البطل السلبي خالد بكداش والبطل الإيجابي فرج الله الحلو. يقدّم البطل طائفة من المعلومات والنوادر (ليس أقلها أن قائد الميليشيا العميلة لإسرائيل انطوان لحد كان في شبابه عضواً في الحزب الشيوعي) والطرائف والإنتقادات لرفاقه على امتداد العقود، بما يفترض تناوله بالمزيج من الإستمتاع والحذر والموازنة مع مذكرات الآخرين، كما يقدّم جملة من الإختزالات، بخاصة حين يتكلّم عن «عسكرة» الحزب في لحظة الحرب الأهلية بشكل تبرئي منها. رغم انتقادات عديدة يوجهها البطل للظاهرة الكاريزمية بإمتياز في تاريخ الشيوعية العربية، جورج حاوي، فإن السياق الإجمالي للمذكرات يبرز إختلافاً واسعاً بينه وبين سائر القيادات الحزبية الشيوعية، التي تميل للإنطوائية أو تتعثر في محاكاة ظاهرة حاوي.

الحزب الشيوعي الذي تجتاز الحوارية الحافلة فتراته الجماهيرية وعهده السرّي، التزاماته الدولية والعربية، تطيّفاته المختلفة ونصيبه من الانهيار النهائي للحركة الشيوعية العالمية بالشكل الذي عرفها فيها القرن العشرون

«الشيوعي الأخير» جورج البطل، الذي ترعرع في عائلة ميسورة تمتلك دباغة بمشغرة، يخرج أيضاً عداء أسطورياً ضدّ الفلاحين. «الفلاح مشكلة حقيقية» يقول، «أمريكا أهميتها أنه لا يوجد لديها فلاحون، لا يوجد فيها هذا التراث الفلاحي. الذين كان يمكن أن يكونوا فلاحين تم القضاء عليهم فيها، وبالتالي أتت مجموعات مغامرة من البشر من خارج أمريكا وبنت كياناً جديداً، وهذا ما يميز الولايات المتحدة عن أوروبا»، فالريف الأوروبي يساهم دائماً «في العودة للوراء والرجعية». عمق المشكلة السوفياتية يعيدها البطل للفلاحين: «روسيا، كانت محاطة بهذا الحمل الثقيل من التقاليد والتخلّف والقنانة»، والفلاحون لا يزالون إلى اليوم المشكلة الأساسية في روسيا بالنسبة له. نقده للستالينية يأتي في نطاق أنه «رغم كل قمع الفلاحين لم يستطع أن يقضي على طبقة الفلاحين وعلى نفوذها ودورها في جذب البلاد إلى الوراء والتخلّف». عنصر أساسي مما يحاول قوله هنا هو الإشارة إلى مشكلة الشقاق بين عالمين.
ثنائية «تقدّم ـ تخلّف» تحكم كل حظ البطل من الماركسية. هذا المواكب الحثيث لتجربة الماركسيين في جنوب اليمن يخرج في هذه المذكرات بعبارات استشراقية بامتياز: «كنت أسعد بالأيام التي أقضيها في اليمن، كنا نعيش مع ثوار بالفطرة، ليسوا خبثاء، ورغم أنهم يقتلون بعضهم البعض». وعن مقتل عبد الفتاح اسماعيل على يد رفاقه لا يتردّد في البوح عن موقفه، فجّاً، هكذا: «ذلك البلد البدوي المتخلّف لم يكن بحاجة إلى شخص (مثقف) مثل عبد الفتاح (اسماعيل). على الأقل كان هذا انطباعي. هذا كان سبب قبولي بما حصل عندما أزاحوا عبد الفتاح». عموماً، اليساري الذي يقرأ هذا الكتاب عليه استيعاب «قانون اللعبة»: العبارة الحادّة. مثلاً: «الشيوعيون السودانيون كانوا أغبياء في الإنقلاب» على جعفر النميري. وتحضر بعدها الطرفة: «المسؤولون السوريون علقوا علينا بالقول، لا ينفع أن تقوموا بانقلابات. من يقوم بانقلابات لا يخرج على رأس الجماهير ويخطب، بل ينام في الغرفة ويكون له سرير عسكري قرب مكتبه».
«أدب الرحلة» في المعسكر الإشتراكي عامل أساسي في صنع «حلاوة» الكتاب، الذي يعجّ بالفانتازيا. لنكتفي بمشهدين.
الأول. مطلع الثمانينيات. جنازة المنظر الرسمي للحزب الشيوعي السوفياتي في مرحلته الكالحة، البريجنيفية، ميخائيل سوسلوف (توفي مطلع العام 1982). يقول بصددها البطل: «عند وفاة سوسلوف كنت، لسوء الحظ، في موسكو. طلبوا مني الوقوف إلى جانب الجثمان (..) وقفت إلى جانبه بانزعاج لأنه أهاننا في نهاية المطاف، كان قليل الإحترام ولم يعد يستقبلنا، هو رجل حاقد، كسرنا رأيه».
المشهد الثاني في براغ في وقت غير محدد نهاية القرن الماضي. جورج البطل ينهال بالضرب على فاتسلاف هافيل! «»أنا ضربته عندما كنت أجلس مع فتاة في المقهى وكان يتحرش بها بضربته. هو أزعر لكنه أصبح في ما بعد رئيسا لأن الغرب اهتم به والألمان وزعوا صوره قبل أن يسقط النظام». يضيف عن هافل: «إنه شخص «زنخ». وهو ليس عبقريا كمسرحي. يجلس في الكباريهات ويلحق بالمومسات ويدخل السجون ويخرج من السجون لكثرة كلامه، لأنه نجل رجل ثري. ورث بعد أن سقط النظام».
خلفية المشهد الأول على قبر سوسلوف، يصعب التقاط الحقيقي من الخرافي فيها. صحيح حرص الحزب الشيوعي اللبناني على التمايز عن البريجنيفية، لكن هذا التمايز جرت المبالغة به كثيراً. كانت «دوبتشيكيتهم» ذات وجه بريجنيفي، ويجوز العكس.
خلفية المشهد الثاني أن براغ هي المدينة التي كان جورج البطل شاهداً عيان لربيعها بقيادة «الخجول والمتواضع» الكسندر دوبتشك كما يصفه»، الذي لم يكن يريد مع ذلك العداء للسوفيات وكان يحسن الروسية اكثر من أي لغة أخرى. يحسن البطل التمييز، بين توازن التطور في المدينة والريف بتشيكوسلوفاكيا وبين الإنقسام الحاد بينهما في روسيا. كما يصيب تماماً عندما يشير الى اختلاف قصة هذا البلد، الذي اختفى اليوم، عن سائر بلدان أوروبا الشرقية الأخرى، ذلك أن الشيوعيين فيه استولوا على السلطة بإنتفاضة ثورية نهاية الأربعينيات، وليس كمجرّد ترجمة للنفوذ السوفياتي. ليس خاطئاً أبداً التمييز الذي يقيمه بين نبض ربيع براغ وبين «الثورة المخملية» لاحقاً. يبالغ في المقابل في عزو السبب الأساسي لسقوط الإشتراكية في براغ إلى الخلافات داخل الحزب الحاكم. المبالغات عديدة في الكتاب لكنها لا تنقّص من أهميته أبداً.. هذا بشرط إدراك الإختلاف النوعي بين ما للذاكرة وما للتاريخ.

كاتب لبناني

اضف رد