الرئيسية / home slide / الشيخ محمد يُمْن الجسر… رجل الاستقلال والدولة المنسي

الشيخ محمد يُمْن الجسر… رجل الاستقلال والدولة المنسي

 خالد بريش
القدس العربي
06032022 

احتفل لبنان منذ سنتين بذكرى تأسيسه المئوية، ومجدت أجهزة الإعلام كل الذين كان لهم دور من قريب أو بعيد في هذا التأسيس، وأقحموا أحيانا بعض الأسماء، وأعطوها دورا، كعادة اللبنانيين في حفاظهم على التوازن الطائفي، في الوقت الذي تغافلوا فيه عن قصد أو غير قصد، عن أهم شخصية ساهمت في تأسيس لبنان الدولة، والوطن الذي تم تفصيله بعد معاهدة سايكس ـ بِيكو. ونتحدث هنا عن شخصية، وقامة كبيرة بحجم الوطن قولا وفعلا، كان لها الدور الفعال والأهم، منذ خروج الجيش العثماني من لبنان، وهو دولة الرئيس الشيخ محمد يُمْن الجسر.
القرار الذي اتخذ في سايكس بيكو، لم يكن كافيا لكي يظهر لبنان على خارطة العالم، بل كان لا بد من رجال تتحمل مسؤولية بناء مؤسساته وتجذيره بين مواطنيه، الذين خرجوا لتوهم من تحت العباءة العثمانية. فكان هناك أربعة قادة كبار، لعبوا الدور الأهم في بناء دولة لبنان، بالرغم من كل الصراعات التي دارت بينهم، سرا وعلانية، وهم: الشيخ محمد الجسر المسلم، وآميل إده وبشارة الخوري المارونيان، وشارل دباس الأرثوذكسي.

مرحلة البدايات المصيرية

لقد كان دولة الرئيس الشيخ محمد يُمْن الجسر خلال مرحلة البدايات المصيرية، القطب الذي كانت تتجه إليه الأنظار، ورجل السياسة والدولة والحوار الأول بامتياز، له هَيْبَة وكاريزْما زَعاماتية، لا يُشَكِّك فيها أحد. يمسك العصا من منتصفها، كصَمَّام أمان لهذا الوطن، هَمُّهُ الأول والأخير، الخلاص من المستعمر، والوصول بهذا الوطن نحو بر الأمان… فسخَّر من أجل ذلك قاعدته الشعبية، التي بنتها أسرته في مسقط رأسه طرابلس، وخبرته التي اكتسبها، عندما كان يصول ويجول في مركز القرار، في مجلس المبعوثان في اسطنبول، الذي دخله نائبا عن إِيَالَةِ طرابلس. فكان حصان العرب الرابح، بسبب مواقفه الواضحة من الطُّورانيِّين، ومقالاته الجريئة، والمؤثرة في الرأي العام، ومحط أنظار كبار المسؤولين في الباب العالي، والصحف العثمانية والعربية…
عندما دخل الفرنسيون إلى سوريا، أبقوا على مجلس وِلاية بيروت الذي كان بمثابة برلمان مصغر، وكان الشيخ محمد الجِسْر عضوا فيه، ومشرفا على التعليم، ومُراقَبَة توزيع الإِعاشَة والمعونات على المَلاجِئ والمَيَاتِم. فشكل حينها حلقة الوصل بين المستعمر الفرنسي، والشعب بكافة مكوناته، باذلا كل ما بِوِسْعِه، لكي تسير الأمور، بدون أن يَحْدُثُ أي تصادم، لأن العواقب ستكون وخيمة على الجميع بلا شك. معتقدا في قرارة نفسه أن رحيل الفرنسيين مسألة وقت، ويتطلب تَضَافُر جهود مخلصة من المسلمين، والمسيحيين، مُرَدِّدًا:
« إن فرنسا لن تبقى في سوريا ولبنان إلى الأبد، ولكن رحيلها ليس في يدنا، بل هو مَرْهون بظروف دولية مؤاتية لنا، وغير مؤاتية لها ».
وكان الفرنسيون يعرفون أن حُسْنَ علاقتهم بهذا الشيخ المتفرد حِنْكَةً وجُهْدا، سوف تُسَهِّل عليهم مهمتهم، ولو مرحليا، لأنه صوت مسلم له قاعدته الشعبية، ويرتكز على تاريخ عائلي علمي ديني، وعلى بيضة القبان الشعبية طرابلس.
هذه المدينة التي شكلت لهم مأزقا لم يصادفوه في مدينة أخرى، حيث كانت تقوم فيها التظاهرات، والاضرابات المتواصلة، فكانت عَصِيَّة كعادتها، مع كل غاشم محتل…
ولقد أوضحت الصحافية الفرنسية مِيرْيَام هاري، علاقته بالفرنسيين، وحنكته وقوة شخصيته، فكتبت: « إن الشيخ محمد الجِسْر الذي يظن الفرنسيون أنهم يَضَعُونه في جَيْبِهم هو الذي يَضَعُهُم في جيبه. وأنهم مخطئون إذ يعتبرونه مُخْلِصًا لهم ويخدم انتدابهم، بينما هو على العكس يعمل أكثر من أي فرد كان ضد الانتداب ».
وهي الحقيقة المرة التي أدركها المستعمر بوضوح عندما كتبت إحدى الصحف، أن الوزارة التي لا يرضى عنها الشيخ محمد الجِسْر، تسقط بسرعة…!
لقد أدرك الشيخ محمد الجسر بعد لقائه بقائد الجيش الإنكليزي، ومن ثم الفرنسي، أن الخلافة أو السلطنة العثمانية قد انتهت، وأن عصرا آخر قد بدأ، وهو عصر التفتت، والكيانات الصغيرة… وأن موضوع الخلافة، سيغدو يافطة كبيرة، للذين يقتاتون على موائد الماضي. ولهذا انخرط في مشروع الدولة اللبنانية بكل قوة، وساهم مساهمة فعالة في بناء لبنان الحديث، مُرَدِّدا أمام أصدقائه: « لو عادت دولة الخلافة يوما فنحن جاهزون، وسوف يكون لنا دور في بنائها وتقدمها، ولا نكون بالتالي عالة عليها، وننتظر فتاتها كما كان الحال… ».

مناصبه الحكومية أيام الانتداب

ويظهر دوره في الاستقلال بوضوح، من خلال ما تبوأه من مناصب وزارية وإدارية وما قام به من إصلاحات. فقد أسند إليه المندوب السامي الجنرال هنري غورو في عام 1919، رئاسة محكمة الاستئناف، ثم نقله في عام 1921، إلى رئاسة محكمة الجنايات، ليصبح بعدها مدعيا عاما لمحكمة التمييز. ثم غدا في عام 1923، ناظِرًا للداخلية، فناظِرًا للمعارف، ورئيسا لمجلس الشيوخ في عام 1926، لتكون الخاتمة في توليه رئاسة مجلس النواب المُوَحَّد، بعد دَمْجِ مجلسي الشيوخ والنواب، وذلك في أول تعديل دُسْتُورِي، عام 1927، وبقي في هذا المنصب لغاية عام 1932، سنة ترشحه لرئاسة الجمهورية. فكان حَيْثُما مَرَّ رحمه الله، ترك بَصَمَاتِه، وقام بإصلاح ما يمكن إصلاحه، وخاض من أجل ذلك معارك سياسية طاحنة مع المستعمر، ومع الشركاء في الوطن المُتَمَتْرِسين بطوائفهم، والمدعومين من مُسْتَعْمِرٍ، يسعى لكي يبقى حاكما للبنان، كمُنْطَلَق لتحقيق مصالحه الاستعمارية في المنطقة…
وعن إنجازاته وأعماله قال النائِب الشيخ إبراهيم المُنْذِر: «تولى القضاء، فكان عادلا حازما شديدا سريعا في إنجاز دعاوى الناس. وتولى نظارة الداخلية، فكان مثال الجد والنشاط والإدارة والحكمة. وجاء المعارف، فضبط شؤونها، ووسع أحكامها، وسعى لرفع شأنها ». حتى غدا بعد فترة وجيزة الحاكم الفِعْلي للجمهورية الوليدة، والمُمْسِك بِزِمام الأمور، وخُيُوطِها…

دوره في قطاع التربية والتعليم

ويبقى قطاع التربية والتعليم الأخطر في منظومة الوطن، لأنه من خلاله يمكن تدجين المواطنين، والإطباق على الوطن، وهو هدف المستعمر بالدرجة الأولى. وكان للشيخ محمد الجسر الدور الأهم في تاريخ لبنان، من حيث تنظيم هذا القطاع وكل ما يتعلق به. وللأسف حتى يومنا هذا، لم يعط ما قام به في هذا القطاع حقه من الدراسة، وفي بيان أهميته. فاللبنانيون اليوم، لا يعرفون أن معظم القوانين والقرارات التنظيمية، السارية المفعول حتى يومنا هذا في وزارة التربية والتعليم، كان وراء تشريعها وإصدارها، الشيخ محمد الجِسْر، الذي تسلم نظارة المعارف عام 1924، وأخذ يقوم بزيارات تفتيشية مفاجئة للمدارس، للاطلاع على مستوى التعليم فيها، وعلى ما يحتاجونه من تجهيزات. فزار مجموعة من المدارس، في مناطق مختلفة من الشمال إلى الجنوب، قال عنها: « إنها مزارع بقر أو اسطبلات حمير… ». واكتشف أن قرابة 50 في المئة من الذين كانوا يمارسون التعليم، لا يجيدون القراءة والكتابة، والبقية من أنصاف المتعلمين.
فقام بعدها رحمه الله، بتنظيم العملية التربوية من ألفها إلى يائها، فاهتم بوضع مناهج تعليمية وطنية، تؤكد على الهوية، ولا تخدم أهداف المُسْتَعْمِر، باذلا جُهُودًا مُضْنِيَةً من أجل المحافظة على التعليم باللغة العربية في المدارس الحكومية، والخاصة على السواء. واستطاع فرض التعليم باللغة العربية، ما عدا تدريس المواد العلمية، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والطبيعة، فإنها بقيت باللغة الأجنبية. وقام بتنظيم جدول توزيع المواد وساعاتها، وكذلك قواعد تنظيم امتحانات الشهادات الحكومية، واضعا سلما تراتبيا لمرتبات العاملين في الحقل التربوي، فكان راتب المدرس في المدارس العالية يبدأ بـ 43 ليرة، إلى 50 ليرة، بينما كان مرتب قائم مقام يتراوح ما بين 20 و 29 ليرة. بالإضافة إلى عدد كبير من القوانين والقرارات الخاصة بقطاع التعليم، وذلك كإنشاء دار للمعلمين والمعلمات، لتأهيل مدرسين وطنيين أكفاء، وتنظيم البعثات العلمية إلى الخارج، وإنشاء المكتبة الوطنية، ووضع نظامها المالي والإداري. وقام أيضا بافتتاح مدرستين للصنائع والفنون، واحدة للفنون الجميلة والموسيقى (الكونسرفتوار)، والثانية للصناعة والزراعة، وجعل نظام الأخيرة داخليا، لكي تخدم أبناء القرى والمناطق النائية.

لبننة الدوائر

لقد كان هدف الشيخ محمد الجِسْر، تقليص حجم سلطة المستعمر، فعمل كل ما بوسعه على لبننة الدوائر، وإبعاد تدخل المُسْتشارين المُسْتَعْمِرين فيها. فسَنِّ من أجل ذلك القوانين الجديدة، التي تخدم مشروع الوطن، أو أعاد صياغة بعضها لغويا وقانونيا، بشكل يعطي السلطة كاملة لمجلس النواب والوزراء. حتى إن كثيرا من القوانين والتشريعات التي ما زال معمولا بها حتى اليوم، ما زالت تفوح منها رائحة حبر قلم الشيخ محمد الجِسْر… وكان خلال تنقله بين المناصب المختلفة، ماكينة إصلاح إدارية وقانونية فعلية.
فهو من أرسى قواعد ونظم استجواب الحكومة والوزراء، وإدارة الجلسات الوزارية، وهو من أصدر قرارا باستحداث سجلات الأحوال المدنية، وتسجيل الوفيات والولادات، في سجلات القرى والمدن، وبوجوب وضع صورة شمسية على بطاقة الهوية. وقد ساند بقوة قيام النقابات العمالية، التي وجد فيها ما يحد من توحش سلطة السياسيين، الذين كان يعتبرهم فاسدين بامتياز، فقال عنهم يوما للمفوض السامي مكسيم ويغان: «أؤكد لفخامتكم أن هؤلاء النواب عبء ثقيل على ظهور اللبنانيين فقسم كبير منهم سَمَاسِرة »… وعلى ما يبدو أن هذه الصورة النمطية عن النواب والساسة اللبنانيين، لن تتغير قريبا، هذا إذا علمنا أن الشيخ محمد توفي وكان مديونا لأحد أصدقائه بـ 5000 ليرة ذهبية، وأنه لا يوجد اليوم سياسي لبناني واحد لا يملك الملايين…!
وفي النهاية، فعلى الرغم من كل ما قام به المغفور له الشيخ محمد الجسر من إصلاحات في أجهزة الدولة، وإنجازات على صعيد بناء الوطن، تطرقنا إلى اليسير منها، فإنه يبقى في عداد المنسيين المغيبين كغيره من أبناء مدينته وطائفته، الذين قام الوطن على أكتافهم، وكانوا بحق أم الولد…

٭ كاتب لبناني يقيم في باريس