الشياطين التي تقسّم طائفة الدروز ومشيختها

نادر حجاز
Almodon.com
30/01/2019

توحيد مشيخة العقل تكرّس في جميع القوانين المتعلّقة بتنظيم شؤون الطائفة (المدن)أثناء انعقاد القمة العربية الاقتصادية في بيروت، اندلع اشتباك سياسي، بين رئاسة الجمهورية والنائب طلال إرسلان والوزير السابق وئام وهاب من جهة، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ومشيخة عقل الطائفة الدرزية من جهة ثانية، إثر مبادرة الرئيس عون إلى دعوة الشيخ ناصر الدين الغريب، كشيخ عقل ثانٍ إلى جانب نعيم حسن شيخ عقل الرسمي. وكأن الدولة اللبنانية تكرس رسمياً انقسام الطائفة بين مرجعيتين.

والمعلوم أنه منذ العام 1970، نجحت مساعي شيخ العقل الراحل، محمد أبو شقرا، بتوحيد مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز، بعد انقسام طويل بين الثنائية اليزبكية – الجنبلاطية. ومنذ ذلك التاريخ لم يمرّ دروز لبنان باستحقاقات داخلية، شبيهة بما حصل في الآونة الأخيرة، رغم الظروف القاسية التي عاشوها إبان الحرب الأهلية اللبنانية، والتي انعكست وحدة في صفوفهم. 

الشيخ الغريب
رغم أن تسمية الشيخ ناصر الدين الغريب، من قبل رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال ارسلان، حدثت في 24 أيلول 2006، إثر إقرار مجلس النواب تعديلات قانون الأوقاف الدرزية، وانتخاب الشيخ نعيم حسن شيخ عقل رسمي، إلا أنّ ما تشهده الساحة الدرزية اليوم من إعادة تظهير الانقسام على مستوى مشيخة العقل يطرح العديد من الأسئلة، أقلّه من حيث التوقيت. وذلك ربطاً بحادثتي الشويفات والجاهلية، خصوصاً أنه منذ العام 2006 لم تعترف الدولة اللبنانية رسمياً إلا بشيخ عقل واحد للطائفة الدرزية، ومقرّه دار الطائفة الدرزية في بيروت.

شيخ واحد
تشير مصادر قانونية  لـ”المدن” إلى أن العرف قضى بوجود شيخي عقل على الساحة الدرزية اللبنانية، كما هي الحال في سوريا حالياً.  وتتوقف عند الحدث الأهم الذي شهدته الطائفة الدرزية في لبنان منذ نصف قرن، والمتمثل بتوحيد مشيخة العقل طوال هذه السنوات. وقد تكرّس الأمر في جميع القوانين المتعلّقة بتنظيم شؤون الطائفة، والتي كان آخرها تعديل قانون تنظيم الأحوال الشخصية في جميع نصوص مواده. إذ تم التأكيد على وجود شيخ عقل واحد، وشطب عبارة شيخي عقل حيث وردت. لذا، وبعد تحديث القوانين المتعلقة بالطائفة، فإن أي خرق لها، هو بمثابة العودة إلى الوراء، أي إلى عهد الانقسام. يلقى هذا الأمر صدىً سلبياً في الأوساط الدرزية ولدى الهيئة الروحية، التي تفضّل إبعاد هذا الإنقسام عن التداول والإعلام ومعالجته داخلياً، تفادياً لتداعياته على البيت الدرزي الداخلي.

استحقاق 2021
ما زال هناك سنتين لاستحقاق انتخاب شيخ عقل جديد في العام 2021، وهناك آراء تدعو إلى التريّث لحين حصوله، ومناقشة مستقبل هذا الموقع. وقد حضر هذا الاستحقاق في خطابات العديد من المسؤولين الدروز، وبدا لافتاً قول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، من دار الطائفة، بعد الاجتماع الأخير للمجلس المذهبي: “عندما يأتي الاستحقاق بعد سنتين أو أكثر، الانتخابات مفتوحة لمن يريد أن يستمر في هذه المؤسسة الواحدة الموّحدة”، مشدداً على أن “هذه الندوة هي الشرعية الأساسية الوحيدة”.

رغبة جنبلاط
بدت رغبة جنبلاط في التهدئة واضحة في كلامه، وذلك من دون التفريط بهيبة الموقع، وما يمثّله بالنسبة للدروز. فالموضوع لا يرتبط بالأشخاص بقدر ارتباطه برمزية مشيخة العقل، وتمثيل الطائفة وأبنائها أمام الدولة وبقية الطوائف. من هنا كان الاعتراض على دعوة الشيخ الغريب كرئيس ديني إلى القمة العربية الاقتصادية، من قبل رئاسة الجمهورية. فما يعتبره إرسلان ووئام وهاب احتراماً للخصوصية الدرزية، يرى فيه جنبلاط تدخّلاً في الشؤون الدرزية، وضرباً لهيبة الموقع الرسمي الممثّل الوحيد للطائفة الدرزية. وانطلاقا من هذا المبدأ لم يكن بيان الرئاسة الأولى مقنعاً لجنبلاط، لا في الشكل، ولا في المضمون.

رسالة ملغومة
فأي رسالة كانت تحملها دعوة الشيخ الغريب، الذي لم يسبق أن وُجّهت له أي دعوة رسمية سابقاً، وقد عُقدت قمم روحية عديدة خلال السنوات الفائتة، وكانت الطائفة الدرزية ممثلة فقط بشيخ العقل نعيم حسن؟

يقول رئيس جمعية “معاً من أجل الإنسان” الشيخ دانيال عبد الخالق في اتصال مع “المدن”: “إن ما افتُعل في قضيّة مشيخة العقل من الجهة المنظّمة في القصر الجمهوري، لم يكن بريئاً. فلو سعت هذه السلطة مرة واحدة من قبل إلى حلّ هذا الخلاف الإجتماعي الداخلي، عند الموحّدين، تعزيزاً لدورها في حماية المؤسسة التابعة لها، لكانت تُعذر جزئيا في تدخّلها السافر هذه المرة. أما أن تلعب دور “فرّق تَسُد” وتتدخل فقط، ولأول مرة، فيما تُذكي الخلاف وتُخرجه من إطار الموحّدين الخاص، لتستعمله ورقة إضافية في نهجها السياسي الذي لم يتغيّر أبداً عن النهج الذي ساد منذ 40 عاما، ولم نر منه الإصلاح إلا في التصريحات على الشاشات، ولتستعمله في مواجهة مؤسسة تابعة لها، فإنه ضعفٌ وكَيْدٌ، لا تستره كل التصاريح أكانت تبريرية أم عنجهيّة”.

أما حول دور الهيئة الروحية في كل ما يحدث فيقول: “إنها إلى جانب الحل وفي مواجهة الخلاف، ولنفهم عدم معرفتنا بالدور المباشر والعلني للهيئة الروحية، علينا أن نفهم طبيعة النهج الديني الذي تتّبعه وتتميّز به مرجعيّاتنا الروحية، فهي متفرّغة للعبادة والنهج الديني الإحساني والذي هو المرتبة الثالثة في الإسلام (الإسلام ثلاث: إسلام – إيمان – إحسان، وهو انت تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك)، ولذلك أُوكلت مهمات إدارة شؤون الطائفة ومؤسساتها الرسمية إلى مشيخة العقل”.

الحلول المطروحة
يضيف عبد الخالق “أما الكلام عن الحلول في هذه الفترة فإنها لن تبدأ إلا بسحب هذا الملف من أساليب النكد السياسي أولاً، ووضعه تحت سقف القانون، الذي ينضوي تحته حُكما عطوفة الأمير، كونه نائبا في البرلمان اللبناني. والنائب هو عضو دائم في المجلس المذهبي، حسب هذا القانون، والوزير السابق وهاب يفخر دوما بنسبة الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات النيابية الأخيرة. فلربما تمكنه هذه الأصوات من إيصال أعضاء له. إلى ذلك يحمل قانون المجلس المذهبي آليّة لتعديله من الداخل، إذا ما رغبت القوى المؤثرة داخله به، وكل الكلام الذي يقال عن هيمنة الحزب التقدمي الإشتراكي طبيعي، لأنّ آلية انتخاب المجلس المذهبي تعكس الأكثرية الموجودة في المجالس البلدية والاختيارية وحملة الشهادات. و”الاشتراكي” هو صاحب الأكثرية في البلديات وغيرها. ولكن الجدير بالذكر أنّ القرارات في المجلس المذهبي تُؤخذ بأكثرية الثلثين. وأما تلك المتعلقة بالوقف فإنها تحتاج إلى تصويت ثلاثة أرباع المجلس. ما يعني أن القوى المعارضة لـ”الاشتراكي” إذا شاركت في المجلس المذهبي ستكون مشاركتها فعليّة وليست شكليّة”.

بكل الأحوال، الطائفة الدرزية ستكون بعد سنتين على موعد قد يلتقي فيه المتخاصمون وقد يختلفون، ولكن حينها تكون المؤسسة هي الحاضنة الوحيدة لهم. هي أيام صعبة على دروز لبنان فيما تعصف التحولات من حولهم. فالإقليم يتغيّر ومعه الخرائط السياسية والديموغرافية، وقد ارتبط مصير الدروز دائماً بالتحولات الكبرى، وانعكاسها عليهم، متمسكين دائما ببوصلتهم نحو عمقهم العربي والإسلامي.

وانطلاقا من هذا الهاجس، فإن ما يواجهه دروز لبنان اليوم هو تحديد وجهتهم في ظل المتغيرات الكبرى. فهل تفرّقهم الشياطين التي تحدث عنها جنبلاط؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*