الشيء ومقتضاه!

راجح خوري
10112017
النهار

سياسة “ليبنى على الشيء مقتضاه ” مجرد وقت مستقطع وقصير في المواجهة السياسية الملتهبة، التي تدور على “الملعب اللبناني”، وأتعمد القول الملعب اللبناني، لأن من الواضح ان لبنان بات منذ زمن بعيد ساحة تحتدم فيها حسابات وصراعات قوى اقليمية ودولية، والدليل ان البلد خرج لتوّه تقريباً من فراغ رئاسي استمر ثلاثة أعوام على أساس تسوية سياسية لم يتم التزامها.

شعار “الشيء ومقتضاه” لم يستعمله أحد بمقدار ما استعمله الرئيس نبيه بري مهندس مؤتمرات الحوار الوطني وطاولاته، التي يعرف جيداً وإن لم يفصح، كما يعرف اللبنانيون جميعاً، انها كانت مجرد نقاشات كلامية لم تعالج شيئاً من جوهر مشكلة الانقسام بين اللبنانيين، الذي بدأ منذ عام ١٩٧٠ على خلفية التناقض الصدامي بين الدولة ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي اقتطعت عبر “اتفاق القاهرة” منطقة العرقوب إمارة لكفاح مسلح كافح في لبنان أكثر من كفاحه ضد العدو الاسرائيلي.

لا داعي طبعاً الى عرض مراحل الآلام ودروب الآلام التي سلكها لبنان منذ ذلك الحين، مع الوصاية السورية ثم مع شريط الاغتيالات وتشظي البلد بين 14 و8 آذار، وصولاً الى “تسوية الدوحة”، وانتهاءً قبل عام تقريباً بتسوية الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري بعد فراغ رئاسي مديد، أكل في خلاله العشب البري قصر بعبداً وهيبة الدولة اللبنانية.

المشكلة العميقة التي تواجه لبنان اليوم، ليست مشكلة استقالة سعد الحريري وما يقال فيها وعنها مكاناً وظروفاً، وما الى ذلك من تسريبات وروايات لن أتوقف عندها، بل هي مشكلة قرار على اللبنانيين اتخاذه، هل يريدون بلداً تحكمه دولة تمثلهم وتسهر فعلاً على حاضرهم وتُعِدّ لمستقبل في مستوى طموحات أبنائهم، ام يريدون بلداً يبقى ساحة ملاكمات اقليمية ودولية يكونون قفّازاتها ودماءها السائلة؟

“الشيء ومقتضاه” ايها الكرام مجرد موقف أو عنوان موقت سينتهي سريعاً، في مواجهة استقالة الحريري، التي ليست في جوهرها وأبعادها إلا ما جاء به بيان الحريري كما هو معروف، الذي شكّل قراراً اتهامياً موجّهاً الى إيران و”حزب الله”.

هكذا وضع الدكتور سمير جعجع في برنامج “بموضوعية” مع وليد عبود، يده مباشرة على جوهر المشكلة، فالمشكلة ليست في الاستقالة كقرار حريري بل في اسبابها المعلنة والمُعللة في بيان الاستقالة، الذي وضع لبنان مرة جديدة أمام السؤال: كيف يمكن الجمع بين الدولة والدويلة في بلد واحد، وماذا يبقى من الدولة مع اتساع هيمنة الدويلة على قرار الدولة؟

هكذا بكل بساطة و”بموضوعية”، ولكن فعلاً كما قال جعجع، على حافة براكين من الصراعات المتفجرة في المنطقة وبتدخلات دولية كبرى، و”المقتضى” يجب أن يبنى على “الشيء الحقيقي”، والشيء الحقيقي هنا ليس الاستقالة بل سببها الواضح والصريح.

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*