الشعّار بمنشية طرابلس: “الزمن الجميل” في ليلة واحدة

جنى الدهيبي|الجمعة17/05/2019
Almodon.com

  • تألقت الحديقة بأنوار من تصميم مهندسة الإضاءة هند الشعّار (المدن)
  • 42 لوحةً تراثيةً مصورةً من طرابلس القديمة (المدن)
  • سخى عبد الكريم الشعار بموشحات التجلي (المدن)

سخى عبد الكريم الشعار بموشحات التجلي (المدن)

أن تستعيد حديقة المنشيّة في طرابلس رونق وعراقة زمنها “الجميل”، المفقود منذ عقودٍ طويلة، في ليلةٍ واحدةٍ، قد يكون إنجازًا باهراً، في مدينةٍ تشهد على اندثارٍ فاضحٍ لمعالمها وعمارتها التاريخية والمملوكية، نتيجة “الفساد” والإهمال والاستهتار. هذا ما فعلته ليلة الثلثاء في 14 أيار، جمعية طرابلس السياحية، التي افتتحت ليالي مهرجانات طرابلس الدولية، باستضافة المطرب عبدالكريم الشعار وفرقته الموسيقية، في أمسية رمضانية بعنوان “كونشرتو طرابلس.. ليل التجلي والهيام”، أُقيمت في منشية التل وسط المدينة، بحضور سياسي واجتماعي وثقافي واعلامي ومدني بارز.

موشحات التجلي
لم يكن هذا الحدث عاديًا. فمهرجان “المنشيّة”، كان حمّال دلالاتٍ ثقافية وسياسية واجتماعية، صبّت في العمق الحقيقي لمعنى أن تكون طرابلس “مدينة متألقةً على ساحل البحر المتوسط”، إحياءً للدور الأصيل والأصليّ لـ “السياحة الثقافية” في عاصمة الشمال. والمنشيّة ذات المداخل الخمسة، كانت في ليلة زمنها الجميل مضاءةً بإنارةٍ ساحرة، تتلألأ على مساحتها الكبيرة وأشجارها المُعمّرة ونافورة مياهها، مع ساعة التلّ العملاقة، التي بدتْ كتاجِ نورٍ في سماء الأمسيّة. الأنوار الملونةً عند المدخل الرئيسي للمنشية، انعكست أمواجها على 42 لوحةً تراثيةً مصورةً من طرابلس “القديمة”، لساعات التل والقلعة والمنشية والأسواق القديمة ونهر أبو علي وبور سعيد في الميناء، وغيرها الكثير.


تألقت الحديقة بأنوار من تصميم مهندسة الإضاءة هند الشعّار (المدن)

اعتلى عبد الكريم الشعار خشبة المسرح الدائرية بالهواء الطلق في باحة المنشيّة، وأطرب الحاضرين بموشحات التجلي المستوحاة من أجواء شهر رمضان، ثمّ غنّى أغانٍ تراثية وقديمة كـ “يا ويل ويا ويل حالي” و”قلّ للمليحة في الخمار الأسود”، أضفت على الأجواء مزيدًا من جرعات الحنين لأن تحيا طرابلس كما كانت في قديم زمانها.

مدينة متوسطية
تحكي رئيسة جمعية طرابلس السياحية الدكتورة وفاء أفيوني الشعراني في حديثٍ لـ “المدن”، أنّ هذا المهرجان الذي انطلق من المنشية، وتوسط أسواقًا ليست بعيدة منه، وخانات وأسوار وكنائس وجوامع وحمامات ومدارس وحدائق ومقابر، وعلى مسافةٍ من القلعة، هي “البداية فقط انطلاقًا من ساحة التلّ، نحو عراقة طرابلس، التي لا يجب أن تبقى مدينة ذات مراكز ثقافيّة مغلقة، وإنّما مفتوحة ومتألقةً على الساحل المتوسط، كما هو لقبها”. ومهرجانات “طرابلس السياحية” التي جاءت للإجابة عن سؤال “كيف”، فـ”هي حسب رؤيتنا، أن تعود طرابلس ساحات مفتوحة على بعضها، وأن تكون ملتقى وعاصمة للمهرجانات الثقافية لأنّها مدينة متوسطية”.

ترى الشعراني في طرابلس مدينة قادرةً على لعب دورها المتوسطي هذا، لأنّها “تملك مقومات الجمع لكلّ الثقافات السائدة على الشاطئ الأبيض، وكلّ ما تحتاجه هو الإضاءة عليها، للبدء والسير خطوة خطوة نحو تنفيذ الفكرة. فـ”نحن نطالب أن تكون طرابلس عاصمة للسياحة الثقافية، بكلّ ما تتضمنه”، وتأسيسًا لـ”طرابلس عاصمة الثقافة العربية” الذي يأتي موعده بعد عامين. وهذا الحدث المنتظر، “يحتاج لتراكم وأرشيف مصوّر من أجل عرضه”.

إحياء القلعة
تضع الشعراني قلعة طرابلس نصب عينيّها في خطوة مهرجانات جمعيتها لاحقًا. تصفها بـ”صاحبة الجمال الخرافي”، التي تحتاج أن تكون صالحةً للوصول. تقول: “القلعة عندما تكون صالحةً للوصول، وترتبط بمعرض رشيد كرامي الدولي، نبلغ حينها مفهوم التجسير بين العراقة والحداثة”. وطرابلس وفقها، تعاني من أزمة عزل مرافقها عن بعضها، ولا يوجد مرفق مرتبط بالآخر. لكنّ “هذه مسؤولية البلدية، التي لا بدّ أن تخرج من زواريب السياسة وتدخل في بهاء الثقافة”.

“مهرجان القلعة” قيد التحضير للإعلان عنه لاحقًا، وثمّة سعي من قبل الجمعية لإستعمال كلّ تقنيات الإضاءة العالمية في داخلها. وعن المنشيّة التي لم تنقطع الشعراني عنها يومًا، بعد أن بقيت حسرةً في قلبها إزالة السراي الكبير من ساحة التلّ: “كانت في ليل الثلثاء كلّ ورقةٍ فيها وحجرٍ وجزعٍ ورصيفٍ مضاءً بالألوان”. هذه المنشيّة التي يحيطها الفقر في يوميّاتها من كلّ حدبٍ وصوب، كان يتوسطها شجرةٌ ملقبة بـ”شجرة التنابل”، اقتلعتها قبل أكثر من عشر سنواتٍ عاصفةً هوجاء.. “هي شجرة كبيرة عمرها مئات السنين، كان يجلس الناس للتفيؤ تحت ظلّها، وكانت مقصدًا للكسالى والمتعبين والمارين في البلد، من أجل الاستراحة تحت ظلالها الرحبة”.

إضاءة المنشية
استغرق العمل على تصميم الإضاءة لمهرجان الذي نفذه صاحب شركة “شوك”، فادي درويش، بالمنشية مدة طويلة، حسب الشعراني، درست فيها مهندسة الإضاءة هند الشعار زوايا الحديقة لتعطي الأزهار ألوانًا تنسجم مع طبيعتها وتناسقها. إذ “تدرجت بين الأزرق والأبيض تدرجًا مدروسًا بدقة، في حين كان المسرح الذي أقيم في وسط البركة مهرجان أضواء، انعكس على مقاعد الموسيقيين وعلى موقع الفنان عبد الكريم الشعار في وسط حشد الألوان”.

من جهتها، تشير المهندسة الشعار لـ “المدن”، التي جاءت لتنفيذ أول مشروعٍ لها في طرابلس، بعد تخصصها في نيويورك بـ “هندسة الإضاءة”، بأنّ الإضاءة الملونة عند مدخل المنشية، كانت تهدف لتهيئة الناس للدخول من بوابة “العصر الملوّن” في لحظة الوصول إلى هذا العالم داخل المنشية، كأنّها رحلةً نحو الماضي. وحسب نظرتها ومفهومها، أرادت أن تعكس روحيّة الأبيض والأسود في الداخل، بـ “تناغم كبير مع ألوان ساعة التل التي أعطت روحيّة الزمن الماضي”.

وعن الصور القديمة التي وضعت جزءًا من مجموعتها فيها، “جمعتُ من عدّة أشخاص صورًا أخرى في حوزتهم عن طرابلس القديمة، للتعبير عن تراث طرابلس من عدسات وعيون أخرى”.

الفكرة التي رأتها الشعار في منشية طرابلس كبيرة وعميقٌ جدًا، ساعد بتفيذها فريق العمل. لكنّ هذه الفكرة، “هي جزء من رؤيةٍ كاملة تحتاج لميزانية كبيرة وكثير من الجهود.. والآتي سيكون أجمل مع طرابلس السياحية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*