الشعب ليس من الماعز!


راجح الخوري
05012019
النهار

 

حتى لو كانت هذه الشعوب اللبنانية اليائسة والمستسلمة قطيعاً من الماعز، فإنّها تستحق من رعاتها السياسيين مجرد التفاتة، أو اهتمام أو حد أدنى من الحس بما آلت إليه أحوالها، فالناس ينازعون الإختناق في إزدحام الطرقات، ويكابدون المرض في أكوام النفايات، ويلفّهم الرعب من البطالة المتوحشة واتساع مآسي الإفلاسات، ويفتك بهم التلوّث المرعب وموجة السرطانات، وتخنقهم عتمة فضائح الكهرباء والمولدات، ويبهدلهم الغرق كدجاج نافق مع كل شتوة في البحيرات.

في الأساس المسؤولون رعاة المجتمع، ولو كان هؤلاء الرعاة يعرفون المسؤولية، لما كانت لتعصف بنا قصة ذلك المواطن الذي قيل إنه يريد ان يبيع كليته ليطعم أولاده، وذلك الذي سرق رغيفاً ليطعم أولاده الجوعى، ولما كنّا لنغرق في الذلّ الجارح أمام عجوز تبحث عن كسرة خبز متعفنة في براميل القمامة، ولما كنّا لنحس بالعار أمام الذين يعانون الأوجاع صابرين لأنهم عاجزون عن شراء دواء. لكن رعاتنا غارقون في الخلاف على حصصهم من الحلب ومن حليب الماعز، ونحن القطيع الذي جفت ضروعه وتعاظم هزاله، ولم يبق منه سوى جلد على العظم، لكن للرعاة من الأنياب ما يطحن العظام ويمسح الماشية أصلاً وفصلاً!

ثمانية أشهر من المراوحة داخل الدائرة المفرغة لتشكيل الحكومة العتيدة، بعد دهر من الفراغ الرئاسي، الذي جاء بعد الفراغ النيابي. ثمانية أشهر ولم يسمع اللبنانيون كلمة واحدة، حرفاً واحداً، فكرة واحدة، برنامجاً أولياً عن طوفان المشاكل التي يفترض ان تعالجها الحكومة المنتظرة. كل ما سمعوه هو المعايير والحصص والأحجام والكراسي ومن سيقعد عليها ولمن يصوّت وكيف يتنفس!

ثمانية أشهر والحديث سلسلة من المواعيد المتتابعة والخادعة عن موعد الولادة الحكومية وفقش ماء رأسها العظيم، ولقد بلغت في بعضهم الوقاحة ما بلغت الحمرنة فينا ونحن نستمع الى ان الحكومة ستكون هدية عيد الميلاد، ثم هدية رأس السنة، ثم هدية عيد الأرمن، ثم هدية عيد الغطاس، نحن في الأوهام غاطسون وهم على قسمة الجبنة يتعاركون! الحكومة هدية للشعب، لكننا لم نسمع كلمة أو نقرأ برنامجاً او نطّلع على مخطط عن محتوى هذه الهدية المزعومة، لأنها هدية لأصحاب المعالي والإستزادة، وها هو الحديث عن حكومة من ٣٢ وزيراً أو حتى ٣٦ وزيراً ربما لأنها ستدير شؤون الصين والهند، ولأن لبنان غارق في بحبوحة. لا حاجة الى كل هذا القتال أيها الأكارم، فلتكن الحكومة من ١٢٨ وزيراً في عين الشيطان، وما المانع من ان يكثر عدد أصحاب المعالي الذين سيعتلون ظهر الحمار اللبناني الذي تقوّس منذ زمن بعيد؟

ثمانية اشهر ولم يتنبه رعاة الشعوب اللبنانية السعيدة، الى أن ٢٢٠٠ مصنع أقفلت وهام عمالها في الشارع والجوع، ولا أحسوا ان الأزمة الإقتصادية ستكون تسونامي يبتلع الناس، ربما لأنهم حجزوا مقاعدهم ناجين على سفينة نوح، أو على متن أجنحة الملايين التي جمعوها بالمواهب وبعرق الجبين. نعم ثمانية أشهر ولم يخسروا كلمة على الشعوب اللبنانية المتعاركة التي تنتظر “الحكومة الهدية”.

ثمانية أشهر؟ بسيطة، تستطيع هذه القبائل اللبنانية ان تنتظر وتأمل بالخير يدفق غداً مثلاً من خطة ماكنزي ونصيحتها الثمينة: دونكم والحشيشة!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*