الرئيسية / أخبار الاقتصاد / الشطارة غير العمارة

الشطارة غير العمارة


مروان إسكندر
النهار
31082018

لدى اللبنانيين عمومًا نزعة الى الشطارة، فهم يضخمون دورهم في مجال نشاطاتهم وادعاء علاقاتهم، وحيث القانون مطاط وعملية التقاضي بالغة الكلفة وتستهلك وقتًا يتجاوز في وقعه احيانًا تكاليف هذه العملية، نجد ان هنالك آلافاً بل عشرات الآلاف من المستحقات التي هي عالقة إلّا أنها تشكل يومًا ما التزامات وهي توازي الديون غير الموقعة، ومن هذه مثلاً مستحقات عن اشتراكات الكهرباء لمسؤولين تفوق ارقامها المليارات من الليرات.

ان عادة الشطارة لا تنحصر بالمواطنين العاديين فهنالك، توجه لدى بعض الوزراء والنواب الى تجاوز اعتبارات الحقائق المرة على أمل الانفراج وهم أحيانًا ينادون بانفراجات لم تتحقق فعلاً. مثال واضح، قبل عشرة أيام تقريبًا قرأنا في الصحف مقالات – تسمى اقتصادية – عن ان بعض أموال الاقراض المتفق عليها سابقًا مع البنك الدولي سيفرج عنها قريبًا مع التحسينات التي سوف تنجز في مجال تأمين الكهرباء وتكاليفها.

قبل انقضاء اسبوع كانت الصورة قد تغيرت. فصحف الاربعاء 29/8/2018 نشرت ان بعض الالتزامات السابقة من البنك الدولي ستلغى والمعلوم ان هذه بالذات تتعلق بقطاع الكهرباء. لكن التزامات البنك الدولي منذ توقيعها أرفقت بشروط منها انجاز شبكة متكاملة لتوزيع الطاقة وهذا الامر لم يتحقق، تأليف مجلس ادارة مهني وهذا لم يتحقق، الشروع في التزام تدقيق مهني من مؤسستين عالميتين لحسابات مصلحة كهرباء لبنان، وهذا أيضًا لم يتحقق… واضافة الى كل ذلك يعلم خبراء البنك الدولي ومنهم لبنانيون مقيمون في لبنان منذ عشر سنين، ان وزارة الطاقة لم توفر الرقابة المطلوبة على تعطل وتوقف ثلاثة معامل لانتاج الكهرباء من مياه الليطاني عن العمل منذ عام 2006 ولا انتباه لاصلاح اوضاعها وكلفة الاصلاح والصيانة ضئيلة، وتكاليف المصانع الثلاثة التي تنتج 300 ميغاوات، بعد الصيانة لا تزيد على 30 في المئة من تكاليف استئجار الباخرتين التركيتين.

كيف لوزارة تهمل اصلاح وصيانة معامل قائمة بطاقة 300 ميغاوات سنوات، وتتجه الى استئجار البواخر العائمة بتكاليف تآكلت الـ1200 مليون دولار التي خصصت منذ عام 2013 لتأمين الكهرباء وانجاز محطات ارضية بطاقة 500-600 ميغاوات، فانتهت الدولارات في تكاليف استئجار البواخر العائمة لفترة تجاوزت الثلاث سنوات حتى تاريخه.

تقرر حكومة توسيع منشآت مطار بيروت الذي أصبح يعج بالمسافرين (ونسبة 25 في المئة منهم سوريون) الامر الذي يسهم في زيادة ازدحام السيارات ويؤدي الى تخوف بعض المسافرين من اللبنانيين وغيرهم عن استعمال هذا المطار، وفي الوقت نفسه مطار الرئيس رينه معوض في الشمال يحتاج الى مبالغ بسيطة لتشغيله لاستقبال الرحلات الطارئة والسياحية، وليس من يسأل عن تشغيله ربما سعيًا الى حصر منافع السفر الجوي في بيروت ومنطقة معينة.

لو كان مطار الرئيس رينه معوض مشغلاً وعلى مسؤولية شركة طيران الشرق الاوسط التي لا تزال مؤسسة عامة يملكها مصرف لبنان، الذي انقذ اوضاعها المالية منذ 15 سنة، لكان تأمن سفر واستقبال 500 ألف راكب على الاقل عام 2018 وتحصيل مداخيل لعشرات الموظفين والفنيين وأبعد الاحتجاجات على التأخير في مطار بيروت.

حقيقة يتساءل اللبنانيون لماذا بيروت ومطارها ومرفأ بيروت تحظى بأهمية فائقة تعادل تسببها بزيادة ضغط السير وكثافة التلوث؟ هل على جميع اللبنانيين تحمل ضريبة هدفها اراحة نواب بيروت؟ وهل النائب في لبنان حقًا يمثل مدينة أو قرية، أم هو يمثل جميع اللبنانيين بموجب الدستور والانظمة الديموقراطية السائدة – طبعًا خارج لبنان.

أخيرًا وقبل وضعكم الجريدة جانبًا بسبب التحليل المنطقي، أريد الاشارة الى أنني زرت مرفأ طرابلس برفقة رئيس جمعية الصناعيين قبل بضعة اشهر واعجبت بعمل فريق المرفأ، واعتماده الوسائل الالكترونية في خدمة الزبائن وضبط حسابات المرفأ. والقيمون على المرفأ استطاعوا تأمين مساحات ملحوظة ومحمية لزبائن يمكن ان يستفيدوا منها لخزن البضائع المستوردة أو المعدة للتصدير، وفي ذلك التاريخ كان القيمون على ادارة المرفأ قد حصلوا على تسهيلات مالية لتحديث أجهزة التفريغ والضبط وتوسيع قدرة الاستيعاب تساوي 81 مليون دولار من الصندوق الاسلامي السعودي الذي شاءت ادارته التبرع طوعًا لعمل تطوير مرفأ طرابلس بنسبة 25 في المئة من القرض.

شباب ادارة المرفأ حققوا منذ تلك الزيارة زيادة في طاقة حركة المرفأ بنسبة 25 في المئة وشركة “سي جي إم” – ” سي إم آ” الفرنسية التي هي ثالثة كبرى شركات النقل البحري عالميًا والتي يملك غالبية اسهمها فريق لبناني، تعاقدت مع ادارة المرفأ كي تكون لها فرصة تأمين استقبال باخرة اسبوعيًا، وقد شاهدنا أخيرًا باخرة صينية ضخمة تحمل مئات الحاويات، رست وأفرغت وتابعت رحلتها.

اقدام شركة”سي جي إم” – ” سي إم آ” على اعتماد مرفأ طرابلس لرحلة اسبوعية، وامتحان الخطوط الصينية لمناسبة المرفأ في تحركها في البحر المتوسط، أمران يشيران الى امكان تطوير المرفأ لخدمة حاجات لبنان، استيرادًا وتصديرًا، ومناسبة المرفأ للتطوير المستقبلي كي يكون أحد المرافئ الاساسية في خط الحرير الذي تعمل الصين على تحقيقه لتأمين التبادل التجاري والاستثماري بين كتلة دول تحتوي على 40 في المئة من سكان الارض، وتحوز انتاج 35 في المئة من الانتاج العالمي، وليست بين أعضائها خلافات على معدلات الرسوم الجمركية، وتحويلات عملاتها، ولعل قفزات الرئيس ترامب في مجال شروط المبادلات التجارية تؤدي الى افادة بلدان كلبنان، وسوريا، وتركيا بالطبع أكثر مما كان يريد الرئيس الأميركي.

اضف رد