الرئيسية / أضواء على / الشاعر القروي البلبل التائه وقديس الوحدة العربية

الشاعر القروي البلبل التائه وقديس الوحدة العربية

سليمان بختي
النهار
30112018

شاعر، معلّم مدرسة، حامل كشة على كتفه، مهاجر، ومناضل. هذا كله وأكثر، هو الشاعر القروي رشيد سليم طنوس الخوري (1887 – 1984) أحد الشعراء الكبار في القرن العشرين وأحد أقوى الأصوات الوطنية القومية في المهجرين الشمالي والجنوبي. مرّت مئة عام وعامان على صدور ديوانه “الرشيديات” (1916)، والمفارقة ان من هذا الكتاب بالذات اختار الشاعر القروي لقبه وذلك من خلال نقد قسطنطين الحداد لديوانه “الرشيديات”. وقد وجد القروي ضالته في هذا النعت. وتبناه وانسحب على كل كتاباته واشعاره في ما بعد.

عرف القروي بعدائه الشرس للاستعمار الفرنسي وكانت قصائده تُقرأ وتُوزع بالسرّ ايام الاحتلال في لبنان. حرمه الاستعمار الفرنسي من الجنسيتين السورية واللبنانية. وحرمه ايضاً من الحق في العودة الى وطنه. كتب في أحد الابيات في العام 1925 عندما اندلعت الثورة على الفرنسيين:

بدت لك فرصة لتعيش حراً/ فحاذر ان تكون لها مضيعا

وما لك بعد هذا اليوم يوم/ فإن لم تستطع فلن تستطيعا.

هاجر الى البرازيل وبقي فيها مهاجراً لمدة خمسة وأربعين عاماً وترأس خلال فترة هجرته مجلة “الرابطة” و”العصبة الاندلسية”. وعاد الى بلاده في عهد الوحدة بين مصر وسوريا في العام 1958 وبما يشبه عودة الروح الى احلامه في الوحدة العربية. كتب: “بنت العروبة هيِّئي كفني انا عائد لأموت في وطني/ أأجود من خلف البحار له بالروح ثم أضنّ بالبدن”. عاد الى احلامه وبلاده بعدما تعب من الدروب والمدن في البرازيل، ومن اللقاءات التي كان ينظّمها هناك ليجمع المال لأجل فلسطين. وفي قلبه عاطفة نقية لا تعرف سوى الحب للشعر والوطن والعروبة والحرية. وصفه أكرم زعيتر بأنه “قديس الوحدة العربية”. وقال عنه الناقد العراقي فالح الكيلاني “ان الشاعر القروي لا يشعر بالهزيمة أمام قوى الاستبداد والاستعمار والشر والظلام ويردّ بشعره كسلاح فتاك يدافع فيه عن حق شعبه في الوجود والحرية والأمل”.

عاش الشاعر القروي للعروبة هاتفاً صادقاً وكانت أحداث عمره هي أحداث أمته وهي أحداث شعره. ولعله يتميز بين شعراء المهجر من أمثال ايليا ابوماضي وميخائيل نعيمه ونسيب عريضه ورشيد أيوب بوقوفه على الضفة الأخرى المقابلة لهم. ففي حين أخذهم القلق والضعف الانساني والحيرة الى مناخات مختلفة، أخذه الاطمئنان لهويته العربية وهدؤوه النفسي ونضاله في سبيل القومية العربية والانسانية. ولبث شعره يتدفق في التمرد والثورة مثلما يتدفق في الرقة والحنين وكأنه من نبع يصخب او يحن.

كتب غير مرة يقول: “لا لا دعيني وحدي لا أريد معي الا الكتاب والا العود والوتر”، وكان يعزف على العود بعض قصائده ومنها “اين يا هند انت أين”.

تروي نجلاء عقراوي في كتابها “قطوف الأيام” ان الشاعر القروي التحق في العام 1910 – 1911 بالهيئة التعليمية في مدرسة “رجاء الوطن” في بشمزين (الكورة شمال لبنان) وكُلّف تدريس اللغة الانكليزية فيها. وتذكر ان من هواياته انه بعد الانصراف من الدرس يقود ثلة من التلاميذ يطوف بهم دروب القرية وهم ينشدون:

وطني المحبوب ديني/ انا لا أهوى سواه

ولا يطيب العيش الا/ لمقيم في حمــــاه

وتضيف انه في تلك السنة نظم قصيدته المشهورة “البلبل التائه”، واذ قرر اطلاق سراح البلبل ختم القروي قصيدته بهذا البيت:

حبذا لو أطلت معنا الاقامة/ انما الحر لا يقيد حراً

أحب قريته البربارة وقال فيها:

بربارتي هل بعد منــك/ ومن أحبتي لي بقية

فأريني اذا سمح الزمان/ ولم تخيبني المنيـــة

أمّاً تراقــــب عودتــــي/ وأخاً يردّ لي التحية

أحب الشاعر القروي امه حباً جماً. وكان يناجيها بالقصائد. وكتب:

أشقاني حبها فوق احتياجي/ ففاض على الورى ما فاض عني

وفي قصيدة تالية ومن خلال عاطفة بالغة العذوبة:

لو عصفت رياح الهما عصفا/ ولو قصفت رعود الموت قصفا

ففي أذني عند النزع صـــوت/ يحول لي عزيف الجـــن عزما

فيطربني وذلك صوت أمي.

اما حبه للبنان فقد عبر عنه دائما في قصائده وبعفوية مطلقة يقول:

قالوا اتعشقه وهذي حالــه/ يا حبذا وطني على علاتـــه

العيش حلو في سبيل رقيه/ والموت أحلى في سبيل حياته

أصدر رشيد سليم الخوري سبعة دواوين منها “الرشيديات” و”القرويات” و”الاعاصير” و”اللاميات”، وجمعت آثاره وقصائده في ديوان كبير سمّاه “ديوان القروي”. وهذا الديوان يحتاج اليوم الى اعادة تحقيق وتحقيب وطباعة جديدة.

اضف رد