الرئيسية / home slide / السينما اللبنانية الواجهة الحضارية للمهرجانات العربية

السينما اللبنانية الواجهة الحضارية للمهرجانات العربية

كمال القاضي
القدس العربي
05092021

على مدار سنوات طويلة كان للسينما اللبنانية حضورها البارز في المهرجانات العربية والدولية، وقد حصدت الأفلام التي طرحت قضايا بلادها مئات الجوائز فكانت لها خصوصية واضحة في المجال التنافسي بين الدول المشاركة، ولعل الدورات المقبلة من المهرجانات المصرية تحمل الجديد عن تطور الصناعة السينمائية في بيروت، لا سيما أن لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي على سبيل المثال سوابق في الاحتفاء بالسينما اللبنانية، حيث شهد عام 2005 ترحيباً شديداً بالأفلام اللبنانية من خلال عرض بانورامي للإبداعات المُتصلة بالواقع السياسي والإنساني على السواء.
وقد اختصت البانوراما آن ذاك باختيار وعرض مجموعة متميزة من الأعمال السينمائية التي مثلت صدى قويا لما سُمي في حينه بأفلام السينما الجديدة التي أعتُبرها النقاد امتداداً لحركة التطور السينمائي في لبنان والتي بدأت منذ منتصف التسعينيات وبداية نشوب الحرب اللبنانية وتزامنت مع ظهور جيل جديد من السينمائيين اللبنانيين المهمين أمثال مارون بغدادي وبرهان علوية وجوسلين صعب وجان شمعون ورندا الشهال. فهذا الجيل بحسب تقييمات المؤرخين السينمائيين تفاعل مع الحرب وانفعل بها وغير شكل ومضمون السينما اللبنانية وجعلها أقرب إلى سينما المؤلف وكاد أن يُحدث بها طفرات قوية لولا أن البعض غادر الأوطان واستقر في أوروبا وبات يتعامل مع القضايا المُلحة عن بُعد كما حدث مع المخرج مارون بغدادي الذي عمل على إحياء الثورة السينمائية في اليونان وإيطاليا وفرنسا آملاً أن يصل صوتها إلى بيروت وبقية العواصم العربية وسائر دول العالم عن طريق المهرجانات والمراكز السينمائية التي كانت مُنتشرة في عدد من العواصم الكبرى.
وربما تم استحضار دور السينما الداعية إلى التغيير إبان ثورات الربيع العربي، اعتقاداً من البعض أنها لعبت دوراً في تحريك الجماهير صوب الهدف. بيد أن الأمر لم يكن كذلك بالضبط وإنما يُمكن القول بأن السينما اللبنانية تحديداً استفادت من دروس الحرب أكثر مما أفادت الثورات، خاصة عندما عكف جيل آخر من السينمائيين كسمير حبشي وزياد الدويري وغسان سلهب وغيرهم على استرجاع أجواء الحرب وإعادة تصويرها في سياقات درامية عبر أفلام روائية طويلة كنوع من تجديد الحدث.
ونستطيع هنا الجزم بأن الحرب قد لعبت دوراً رئيسياً في توحيد الأفكار بين الجيلين برغم تفاوت الأعمار والمراحل وتنوع الخبرات فلم تختلف غير المُعالجات التي بدت فيها الفروق نسبية للغاية، بينما بقيت ميزة الاستفادة من التجارب الشخصية واضحة لدى بعض المُبدعين الذين عملوا على تنشيط الذاكرة التاريخية كي تظل الأحداث دوماً حية وباقية في الذاكرة.
وهناك تيار مغاير لهذه السينما ولكنه يتصل بها اتصالاً مباشراً في ما يخص موقفها من الحرب، هذا التيار ظل لفترة يعمل على تجسيد المُشكلات اليومية للمراهقين، وهو ما يُمكن أن نرصده في فيلم «بيروت الغربية» إنتاج 1998 لزياد الدويري وفيلم «متحضرات» إنتاج 1999 لرندا الشهال و«طيف المدينة» لجان شمعون الذي أنتج عام 2000 وفيلم «معارك حب» للمخرجة دانييل عربيد إنتاج عام 2004 وكلها أفلام تضع الحرب خلفية للأحداث اليومية وتتبع تحولات المراهقين النفسية والسياسية منذ فترة الصبا وحتى قدرتهم على حمل السلاح.
وتتسم هذه النوعية من الأعمال بالمغامرة وأجواء الحرية والانطلاق قبل إدراك المراهقين للصدمة ومعرفتهم بجدية الحرب وقسوتها وأهميتها للبقاء في الأوطان، ومن أمثلة ذلك فيلم «الأرض المجهولة» وفيلم «البيت الزهر» و«أشباح بيروت» و«الشيخة» هذا بخلاف بعض التجارب الأخرى لمخرجين مهمين أمثال برهان علوية وفيليب عرقتنجي وميشال كمون وجوانا حاجي وخليل جريج.
وعن آخر مُستجدات المشاركة اللبنانية في المهرجانات العربية في ضوء النهوض بالثقافة السينمائية، تجدُر الإشارة إلى الحضور القوي للفيلم اللبناني في الدورتين المقبلتين لمهرجان القاهرة ومهرجان الإسكندرية السينمائيين، والأخير بصفة خاصة يرحب عادة باستقبال الأفلام اللبنانية باعتبارها ضمن الإبداعات الأساسية والمهمة لدول حوض البحر المتوسط.
وقد تتنوع تصنيفات الفيلم اللبناني هذا العام فتشمل الأفلام الطويلة والقصيرة والوثائقية، بما يُحدث زخماً ويعزز بقوة التمثيل اللبناني داخل المهرجان المصري المعني بإبداعات السينما في الدول الأورومتوسطية، وهو بالقطع تخصيص جغرافي مقصود لبيان الخريطة السينمائية بالدول المعنية وقياس مستوى وحجم الإنتاج السينمائي بها ومن ثم تحديد مُعدلات الزيادة والنقصان في إسهاماتها السنوية من الأفلام مع التركيز على مستوى الجودة للمُصنف الفني والمضمون الإبداعي والفكري والثقافي للأفلام المؤهلة للمشاركة والدخول في ماراثون السباق الدولي المهم.

كمال القاضي