الرئيسية / home slide / السيد علي الأمين: القضاء يفصل بين الشيعة والشيعة؟

السيد علي الأمين: القضاء يفصل بين الشيعة والشيعة؟

أحمد الأيوبي – الثلاثاء 30 حزيران 2020
https://www.asasmedia.com/news/386388

تشير المعلومات إلى أنّه عندما وصلت الدعوى المقدّمة من قبل بعض المحامين التابعين لمحور الممانعة، بحقّ السيد علي الأمين، إلى مدّعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، قامت بتحويلها إلى قاضي التحقيق رائد أبو شقرا. وبعد الاتصال بالمدّعين طلبت منهم قبل السير بالدعوى معالجة مسألة عريضة الادعاء وهو بند “المسّ بالقواعد الشرعية للمذهب الجعفري”، قائلة: “هذا الأمر لا صلاحية لي ولا للقاضي أبو شقرا (من مواليد مزرعة الشوف) للنظر به، فهو من اختصاص المحاكم الشرعية التابعة للطائفة الشيعية”. فكان جواب المدّعين: “لقد أرسل البيان ونصّ الدعوى إلى الوكالة الوطنية للإعلام وتمّ نشره”. فاستقرّ الرأي على القول إنّ مندوب الوكالة “أخطأ في العبارة ونقل الخبر على غير ما هو عليه”.

الدعوى الذي تقدّم بها المحامي غسّان المولى، بوكالته عن بعض “الإعلاميين” الممانعين، ضدّ السيّد علي الامين، سلكت طريقها إلى النيابة العامة عبر “خطّ عسكري”، كما توصف مسارات مماثلة، دون إجراءات روتينية أو بيروقراطية، متضمّنةً الاتهام بجرائم “تحقير الشعائر الدينية والوطنية، والمسّ بحرمة الشهداء، واختلاق الجرائم، وتحقير رموز الدولة، وإثارة النعرات المذهبية، والحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة، ودسّ الدسائس والفتن، والحضّ والتحريض على الاعتداء على أمن الدولة، والقدح والذم والتعامل مع العدوّ الإسرائيلي”.

إوكان المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى في لبنان قد أصدر قراراً بعزل السّيد علي الأمين من الإفتاء الجعفري، بعد مشاركته في مؤتمر “حوار الأديان” في البحرين رغم عدم صحّة حصول لقاء بينه وبين أيّ شخصية صهيونية. وأيضاً رغم مشاركة مسؤولين في الدولة في مؤتمرات حضرها مسؤولون إسرائيليون، منهم وزير الخارجية السابق جبران باسيل خلال مشاركته في “مؤتمر الأديان” (أيضاً) بواشنطن في شهر تموز عام 2019 وظهوره مع وزير الخارجية الإسرائيلي في صورة واحدة. كما أدلى باسيل أيضاً بتصريحات اعتبر فيها أن المشكلة مع الكيان الإسرائيلي “مشكلة حدود لا مشكلة وجود”، وأنّ من حقّ “إسرائيل” الحصول على الأمن والاستقرار. من دون أن يعتبر الممانعون تلك الصورة والتصريحات تطبيعاً مع العدو.

اتهام شخص بمقام العلامة علي الأمين بـ”المسّ بالقواعد الشرعية للمذهب الجعفري”. ما يعني أنّ المدّعين يعتبرونه خارج المذهب

ولأنّ تمرير تهمة العمالة في خبر الوكالة الوطنية عملٌ مقصود، كما اتّضح بعد التدقيق، فإنّ اعتذارها اللاحق لا يعيد لها الاعتبار، ويوضح كيف أصبحت معظم مؤسسات الدولة الإعلامية والقضائية تعمل في خدمة أهداف “حزب الله”.

وبحسب عريضةٍ وقّع عليها ثلاثمئة من الناشطين والحقوقيين والسياسيين تحت عنوان “عبثاً تحاولون”، فإنّ “هذا الادعاءَ، يندرج في سياق سعي السلطة المُسْتَقْوِيَةِ بـ”حزب السِّلاح”، إلى مُصادرةِ الحياة السياسية، وإلى التَّضييقِ على الحريّات العامة، وفي الطليعةِ منها حرية التعبير، وإلى بَسْطِ النفوذِ الأمنيِّ على كلِّ مرافق الحياة الوطنيَّة”، لتنتهي العريضة إلى رفض تحويل “النيابات العامة الى محاكم تفتيش طيّعة بيد السلطة”.

في قضية السيّد علي الأمين، تتجاهل الدولة اللبنانية أنّه تعرّض للاعتداء والتهجير وإحراق مكتبه لأنّه خالف موقف “حزب الله”، وذلك خلال غزوة 7 أيّار. بل لأنّه نشر قصيدة يعتذر فيها من بيروت وما ارتكب بحقّها وحقّ أهلها. وهي لم تقم بحمايته ولا بملاحقة المعتدين عليه ولا بمحاكمتهم، وكأنّه بات على اللبنانيين أن يسلِّموا أن من “حق” الحزب ممارسة كلّ ألوان العدوان خارج دائرة القانون، بصمت الدولة وتواطؤ بعض أجهزتها.

لم تصل الدعوى المقامة بحقّ السيد علي الأمين إلى النيابة العامة من “إعلاميين” ممانعين، بدون رعاية سياسية واضحة، بل تأتي في إطار حرب مفتوحة داخل البيئة الشيعية لإسكات وإرهاب كلّ المعارضين وشلّ حركتهم العامة.

لكن الأخطر في هذه القضية هو زجُّ النّيابة العامة في هذا النوع من الشكاوى وإقامة الاعتبار لادّعاءاتٍ تحمل طابع التكفير ومحاكم التفتيش عندما تتحدث عن اتهام شخص بمقام العلامة علي الأمين بـ”المسّ بالقواعد الشرعية للمذهب الجعفري”. ما يعني أنّ المدّعين يعتبرونه خارج المذهب الجعفري، وأنّهم يطلبون محاكمته بهذه التهمة. وإذا رضيت النيابة العامة التدخّل في شأن ديني عقائدي صرف، يدخل في إطار حريّة الاعتقاد والتفكير، فإنّها تكون قد انحازت سلفاً إلى فريقٍ محدّد يحاول فرض تفسيره الخاص للمذهب، بمنحاه الصدامي، على الجميع، وتتحوّل إلى محكمة مذهبية تلاحق الناس على معتقداتهم. بل إنّ القضاء يكون قد تحوّل إلى قاضي شرعٍ يستدّ للشيعة من الشيعة، أو أداةً يستعملها الأقوياء في طوائفهم لـ”تكفير” الضعفاء، بقانون وضعيّ لا علاقة له بهذا الصراع ولا خبرة لقضاته فيه، وأوّلاً وأخيراً لا صفة لهم بين الطرفين.

لكن ماذا قال السيد علي الأمين ليُصنّف خارج المذهب الجعفري؟

لخّص السيد علي الأمين الموقف بقوله: “سأبقى معارِضاً لسياستهم القائمة على الاستبداد، والعاملة على تربية جيلٍ من الطائفة الشيعية يجنح نحو الطائفية البغيضة كما ظهر من هتافات أتباعهم “شيعة، شيعة”، وهي من ثمار قيادة الثنائي (“حزب الله” وحركة “أمل”)، وكما قال السيد المسيح عليه السلام: من ثمارهم تعرفونهم”، مؤكداً أنّ سياسة هذا الثنائي “جلبت وتجلب الضرر للطائفة الشيعية وأوجدت لهم خللاً مع شركائهم في الوطن ومع محيطهم وشعوبهم العربية”.

هناك عنوانان يجعلان “حزب الله” يصنّف الرجل عدوّاً رغم ما قيل بأنّ الأمين العام للحزب تتلمذ على يديه. المسألة الأساس اعتباره أنّ “ولاية الفقيه ليست معتقداً دينياً أو مذهبياً للشيعة، ولكنها نظرية سياسية فى السلطة والحكم”، وأنّ دعم إيران لبقاء سلاح “حزب الله” خارج الدولة خطر عليها، ويستدرج إلى الساحة سلاحاً غيره، وينذر بالحروب الداخلية وتفكيك الوطن.

فهل رفضُ السيّد الأمين لولاية الفقيه يعني خروجه أو إخراجه من المذهب الجعفري؟

المسألة الثانية: اعتبار السيد الأمين أنّ المذاهب ليست أدياناً متقابلة، ورفضه القاطع لشتم الصحابة وأمهات المؤمنين، وهذه قاعدة يعتمدها القائمون على ولاية الفقيه للإبقاء على التعصّب المذهبي، وزوالُها يعني سقوط امبراطورية الحقد والأوهام التي يسيطر ملالي طهران بواسطها على جمهور الشيعة.

لا يحتاج السيد علي الأمين إلى موقعٍ مذهبيّ للفتوى. بل إنّه بمواقفه الجامعة يقدِّم جوهر التشيّع وعمق الانتماء للإسلام الذي حمله الخلفاء الراشدون وآل البيت رضي الله عنهم أجمعين، وبطرحه للدولة المدنية يفتي بوجوب تخلّي اللبنانيين عن كلّ أشكال الطائفية والمذهبية المقيتة، وأن يجعلوا الدّين عامل بناء لا عامل هدم، يقدّم الحريّات والعيش المشترك على كلّ اعتبار.