الرئيسية / home slide / السيد الحسيني: سردية الشيعي الحائر وسيرة الشيعي الخائب

السيد الحسيني: سردية الشيعي الحائر وسيرة الشيعي الخائب

13-01-2023 | 00:15 المصدر: “النهار”

ابراهيم بيرم

ابراهيم بيرم

من تشييع الرئيس الراحل حسين الحسيني.

في شخص الرئيس الراحل #حسين الحسيني تتكثف شخصيات عدة حتى إنه يصح فيه القول إنه رجال مجموعون برجل واحد.

فالسيد البالغ الدماثة وأناقة الحديث والمظهر والعقلانية هي صفات متأصلة فيه لا يختلف اثنان عليها، والمثقف المحدث الضليع لدرجة الموسوعية صفة أخرى يعرفها تمام المعرفة الرهط من النخبة المفكرة التي أوشكت على الأفول والغياب بعد رحيل رموزها واحداً تلو آخر خصوصاً في العقدين الأخيرين، حتى إن البعض كان ينقل عنه في سنيه الأخيرة استشعاره باليتم والغربة، فمؤنسوه ومجانسوه ومجايلوه قد سبقوه الى عالم الآخرة آخذين معهم أوقات أنس وتلاقح أفكار واجتراح رؤى وتاركين إياه وسط قوم يجهل أكثرهم قيمة وجوده بينهم ولا يقدره حق قدره.

لكن في شخصية السيد “أبو علي” سوف نعثر على جانب آخر أكثر ثراءً وغنى يتصل بمسيرته ومساره السياسي والفكري ولا سيما أنه ربيب مرحلة عامرة بالتحولات والأحداث وربما مثقلة بالخيبات وتبدّد الآمال.

في ذلك الجانب المسكوت عنه تكمن سردية أخرى على قدر من الأهمية هي سردية “حيرة الجيل الشيعي” الذي تجرّأ ووضع نصب عينيه “مهمة” نفض لأزمة الحرمان المزمن ومبارحة حال التهميش والإقصاء للطائفة، فشد العزيمة نحو الصعود والارتقاء في معارج الحياة السياسية لكن الأحداث والتطورات المتغوّلة كانت أكبر من أن يتكيف معها ويستفيد منها.
السيد العقلاني الآتي من كنف المنبت السياسي الى سدة النيابة عام 1972 ليبدأ بعدها مسيرته الطويلة الحافلة والتي تخطت نصف قرن من سنوات الجمر والرماد، ما لبث بعد عامين تقريباً أن وجد نفسه غريباً وسط أبناء طائفته الذين كانوا ينزحون بقضّهم وقضيضهم نحو مشاريع مغرية ومجزية لهم هي مشاريع اليسار والقومية ولا سيما مع دخول العامل الفلسطيني الآتي الى #لبنان مطروداً من الأردن باحثاً عن مرقد في بلد مكتظ بالتناقضات لدرجة أنه صار عبارة عن مرجل يغلي بوعود وآمال بات على وشك الانفجار.

في ظل هذه التموجات العاصفة التي باتت عصيّة على كل محاولات الاحتواء، وجد السيد الطموح ضالته المنشودة في إمام بهيّ الطلعة (الإمام موسى الصدر) يصعد الى الصدارة بجهد جهيد حاملاً مشروعاً طموحاً هو في منزلة بين منزلتين. فلأنه عالم دين مزود بثقافة شيعية حركية لن يجنح بطبيعة الحال نحو اليسار وأفكاره المغرية يومذاك لمواكب أجيال شيعية غاضبة في الطرفين الأقصيين من الوطن وهما البقاع والجنوب. ولأنه اختار أن يرفع شعار مكافحة الحرمان، صنو الأفكار الثورية المنفلتة فكان لا بدّ له (الإمام) من أن يرفع تلقائياً شعار مخاصمة الطبقة السياسية السائدة في حينها.

وما لبث السيد الحسيني أن انضمّ مع نحو ستين شخصية شيعية ليمضوا قدماً في مشروع “حركة المحرومين” (الاسم الأول لحركة أمل لاحقاً) ولكي تنفي عن نفسها صفة الفئوية ضمّنت ذلك المشروع إعلان أن هذه الحركة عابرة للطوائف كما هو الحرمان شامل لكل طوائف الوطن بدليل أن وثيقتها الأصلية وقّع عليها أكثر من سبعين شخصية غير شيعية بينهم الراحل الكبير غسان تويني.

وهكذا ولأن السيد هو النائب الشيعي الوحيد الذي جاهر بالانتماء للحركة الوليدة وآثر الالتحاق بركب مشروع السيد الوافد من إيران، سُمّي أول أمين عام لها.

لكن رياح الأحداث سارت بعكس ما كان يطمح إليه ذلك الرهط، إذ إن اشتعال فتيل الحرب عام 1975 وتغوّل الحضور الفلسطيني الراغب بالاستحواذ على الساحة اللبنانية لكي لا تتكرر تجربة أردن السبعينيات، مسنوداً بطبيعة الحال بيسار مستتبع وخائف من سحب بساط الخزان الشيعي من تحت أقدامه، قد أخذ مسار الأمور في اتجاهات شتى لم تكن بالحسبان لدرجة أن البوصلة الأولية للمشروع قد تاهت. وقد ازداد منسوب الضياع وارتفعت وتيرة الشعور بالغربة عند السيد ورفاقه بعد تغييب الإمام المؤسس والهادي إبان رحلة له الى ليبيا في صيف عام 1978.

وبناءً على ذلك آثر السيد الحسيني الذي يعرف حدود قدراته الانكفاء والانسحاب بعد ايام قليلة من تعرّضه لمحاولة اغتيال عندما استهدفت قذائف صاروخية منزله الريفي في عرمون عام 1980 فأيقن أن هذا الفعل الترهيبي عبارة عن رسالة فلسطينية وبالتحديد من حركة “فتح” موجّهة إليه تضعه بين خيارين أحلاهما مر: إما الانصياع وإما التصفية. أيقن الرجل كما نقل عنه زميلنا واصف عواضة أن المسرح يعدّ لاشتباك فلسطيني – شيعي مفتوح وأنه يخشى من “بحور دماء” ستجري ولا يستطيع تحمّل تبعاتها ونتائجها الكارثية. وهكذا غادر الرجل المشروع – الحلم وهو يطوي أضلاعه على خيبة ومرارة كبيرتين.

لكن السيد حسين عاد ليجدّد طلب انتسابه المعلن الى حركة “أمل” التي كان له قصب الريادة والسبق في إطلاقها بعيد أيام من “انتفاضة السادس من شباط” عام 1984التي كانت في ذروة شعورها بالنصر والفوز المبين بعد احتلالها بيروت ومواجهتها لنظام الرئيس أمين الجميّل وبعد دورها الرائد في ميدان المقاومة ضد الاحتلال في الجنوب، لكن ما لبث “إخوانه” السابقون أن صاروا في مكان آخر وفي إطار حسابات أكبر فلم يعيروا له الاهتمام اللازم.

وفي النصف الثاني من عقد الثمانينيات وبعد عودة سوريا بقوة الى الساحة اللبنانية مرتدّة على إخراجها القسري إبان اجتياح عام 1982، أعيد الاعتبار للرجل من بوابة رئاسة المجلس النيابي. حينها أرادت دمشق أن تعاقب الرئيس كامل الأسعد على دوريه في انتخاب الرئيس بشير الجميّل وفي إمرار اتفاق 17 أيار، فلم تجد إلا الحسيني ضالتها المنشودة. يومها استشعر الرجل أنه صار رقماً صعباً وأنه تحوّل معادلة شيعية قائمة بحد ذاتها مزيتها أنها عصيّة على التدجين والاستتباع كما باقي الزعامات الشيعية التليدة والجديدة، مستنداً بطبيعة الحال إلى نجاحه في إقرار اتفاق الطائف واكتساب لقب عرّابه وصانع الجمهورية الثانية. لكنه ما لبث أن اكتشف في صيف عام 1992 أي بعد أول انتخابات نيابية جرت بعيد تطبيق الطائف خطأ حساباته تلك إذ وجد نفسه أسير هزيمتين معاً، الأولى في إسقاط معظم لائحته النيابية التي ألفها في تلك الانتخابات رافضاً مشاركة “#حزب الله” في لائحة واحدة، والثانية في خسارته لرئاسة المجلس التي عُقد لواؤها لسواه.

حاول الرجل الاعتراض من خلال تجسيده حالة شيعية ثالثة هي مزيج من حنين وتوق الى لبنان الذي ارتحل بلا عودة والاستقلال عن المشروعين الزاحفين الى الساحة الشيعية: السوري والإيراني.

وبناءً على ذلك مضى الحسيني الى البرلمانية المعارضة الهادئة فانضمّ الى النخبة السداسية التي رفعت صوت الاعتراض عالياً ضد “مشروع إنهاء لبنان التمايز بغية استتباعه” لكنهم كانوا قلة تغرّد خارج السرب فحوربوا واحداً تلو آخر إما بالإبعاد أو بالالتحاق.

ومع ذلك سمح الثنائي الشيعي لغايات متعدّدة للحسيني بأن يكون النائب الشيعي الفرد عن البقاع مع دور مضبوط، لكن الأحداث العاصفة التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحرير ي عام 2005 ومسارعة الشيعية السياسية لوراثة الحضور السوري المغادر واختيار خط الصدّ، دفعت بالرئيس الحسيني الى خيار مختلف بل معاكس تماماً إذ أعلن استقالته من #مجلس النواب ومن ثم ذهب الى مشروع المواجهة مع الثنائية. فقد جمع يومها ما يقارب مئة شخصية معارضة (بينهم الشاعر أدونيس) وسمّاهم إطاراً معارضاً وسطياً لكنه بدا في نظر الشيعية السياسية منحازاً ضدّها خصوصاً في لحظة لا مكان فيها للّون الرمادي فصدر القرار بإبعاده، ولما كان عاجزاً عن التحدّي اكتفى بدور “المرشد الدستوري” المستعدّ لأي فتوى قانونية تتصل بدستور الطائف.

رحلة السيد حسين القيّمة السياسية والفكرية هي رحلة الساعي الى حالة شيعية متعقلنة لا ترذل لبنان التمايز والخصوصية وتسير الى إصلاح هادئ لا يثير حفيظة المتحفظين لكنه انتهى أشبه بضحيّة رؤاه رغم انتسابه الصريح الى البيت الأكثر قدسية عند #الشيعة.