السياسة وموسيقى الروك وثقافة الكحول

يوسف بزي|الإثنين12/08/2019
Almodon.com

جيل جديد يستكمل ما لم يُنجز بعد منذ التسعينات (Getty)

كان التوق لاجتياز “خطوط التماس”، مطلع التسعينات، يحمل رغبة “سياسية” عند الشباب اللبناني لتجاوز انقاسامات الحرب، على معناها الحزبي والطائفي والثقافي. ويمكن القول أن أولئك الشباب/ت باندفاعهم نحو كسر هذا الفصل وإزالة الموانع، كانوا يستجيبون لفضول التعرف على “الآخر” من ناحية، وللتعبير عن اعتراضهم واستنكارهم لما أفضت إليه سياسات الأجيال السابقة من احتراب ودمار.

وعلى هذا النحو، كان الاجتياز ذهنياً أولاً، إذ بدا أن ثمة “تبادل” للندم أو للمراجعة، فجنح أبناء البيئة اليسارية – العروبية إلى نقد “أيديولوجيتهم” (امتداداً وتزامناً مع سقوط الاتحاد السوفياتي)، فيما بدا أبناء البيئة المسيحية اليمينية مأخوذين بمظاهر اليسار وثقافته تحديداً، وبما ينطوي عليه خصوصاً من تحرر وعلاقات اجتماعية منبترة عن الأهل والعائلة و”الرعية”.

شارع مونو 
واجتمع هؤلاء جميعاً في لحظة إزالة المتاريس وانبثاث روحية “إعادة الإعمار” في ليل بيروت الجديد، في شارع “مونو” تحديداً، الملاصق لخط التماس مقابل امتداد بشارة الخوري وخندق الغميق والتباريس. هناك في الحانات الجديدة كان يلتقي تلامذة وأساتذة جامعات اليسوعية والأميركية واللويزة وألبا واللبنانية، خصوصاً منهم المنتسبين إلى كليات الفنون والعلوم الإنسانية، عدا معظم الصحافيين والكتّاب والمسرحيين والموسيقيين والفنانين التشكيليين، وكانت شلل وروابط الطلبة من مجموعات “اليسار الجديد” مضافاً إليهم الجيل الجديد من العونيين والكتائبيين والقواتيين، الذين بدوا حينها ناقمين على تاريخ الحرب وعصبياتها ومتعطشين للحوارات المفتوحة والتعارف.

لم يكن المسرح السياسي في مكاتب حزبية ولا في مهرجانات خطابية، بل كان هناك في طقوس السهر الليلي، حيث خليط الأفكار وموسيقى الروك والبوب والكحول والعلاقات الناشئة واصطدام الأجسام وتلاقح اللغات.. في نمط حر ومدوّخ.

مع ليل مونو بدا أن اقتراحاً مغايراً لسوليدير يفرضه هذا المجتمع الناشئ على المدينة، فأخذت الحمرا تحذو حذوه، وسرعان ما امتد الاقتراح إلى الجميزة. ومن هذه البؤر الليلية وفي مشهدها كانت صياغة مقاومة “الواقع” بما فيها من اعتراض على أيديولوجية مشروع إعادة الإعمار نفسه، واعتراض على مخاطر تعميم “مجتمع حزب الله”، واعتراض على مظاهر التزمت الديني السنّي الذي يجتاح العالم، بل واعتراض على ما كان يسمى “الإحباط المسيحي”.. لكن الأهم، كان الاعتراض المديني على الوصاية السورية وعدواها التعسفية داخل الجهاز الأمني اللبناني.

لغة جديدة 
فمن هذا الالتقاء والاختلاط والرغبة بالقطيعة مع الاصطفافات السابقة، وعلى الضد من سردية السلم الساذجة التي تبنتها السلطة وخطابها الخشبي “الممانع”، والمهين لذكاء المواطنين (زمن وزير الإعلام ميشال سماحة مثلاً)، بدأت لغة سياسية جديدة في التداول، قوامها هذا التوق نحو بلد الحريات والديموقراطية والمواطنة وسيادة الدستور. كان مطلب “الاستقلال” الجديد قد بدأ يتوضح أكثر.

صاحب هذا كله شيوع أنواع من الموسيقى البديلة “الألترنتيف”، خصوصاً صخب الهارد روك و”التكنو”، والروك الكئيب، والالكترونيكا، وبوست روك..إلخ. كانت بيروت “العائلات” (إذا صح التعبير) تروّج وتلفزيوناتها ثقافة يمكن اختصارها بموضة الخيم الرمضانية السياحية آنذاك، فيما بيروت الأخرى على شاكلة “مونو” تختار نمطاً آخر، صورة وفناً ولغة ونمط عيش وسياسة، يمكن تجسيدها خصوصاً في B.O.18، في الكرنتينا، كان بمثابة مانيفستو معماري – ثقافي – سياسي ضد أيديولوجيا السلطة القائمة على طمس الذاكرة، وضد ثقافة الموت والمجزرة، وضد المعمار الجديد. وليس صدفة أن يكون “تحت الأرض” (أندرغراوند). ففيه كان الاحتفاء والانتشاء الكحولي والموسيقي والجسدي كفعل اعتراض واحتجاج وغضب مفعم بشبابيته.

الرقابة والأمن العام
لم تكن السلطة غبية. في تلك الأيام، تنافست دار الفتوى والكنيسة والمرجعيات الدينية كلها على حضّ جهاز “الأمن العام” على منع مجلات وكتب واسطوانات وأفلام ومسرحيات.. فابتدأت أولى معارك الدفاع عن الحريات، ثم تطور الأمر، مع أولى بوادر خروج المثليين نسبياً إلى العلنية، لتتم ملاحقتهم بتأييد اجتماعي وإعلامي واسع.

لقد كانت الأمور منذ البداية متشابكة بين السياسي والثقافي وبين الهوية الفردية وخياراتها المعيشية وتعبيراتها الفنية ونمط الحياة المعتنق والممارس، في الملبس والمأكل والسهر والاستماع إلى الموسيقى والعلاقات الجنسية وخيارات القراءة وأنواع المهن أو الدراسة وتذوق الفن..إلخ. وما يجمعها كلها هو التوق إلى “الحرية” الفردية والعامة.

في أواخر التسعينات بدأ الصدام يشتد أكثر بين السلطة والمجتمع السياسي الثقافي، الناشئ في أقل من عقد. لقد تم حظر دخول اسطوانات لعدد من فرق الروك، وتفاقمت سطوة “الرقابة” على الأفلام (رقابة أخلاقية وسياسية)، ومنعت كتب عدة ومجلات، فيما أصبحت الصحافة تحت رحمة هاتف زاجر من البوريفاج أو عنجر أو مكتب جميل السيّد أو مقر وزارة الدفاع.. ومصحوباً هذا كله بقمع سياسي فادح طال خصوصاً التيار العوني والقوات اللبنانية وحزب الكتائب، وبدرجة أقل الشيوعيين والبعثيين العراقيين و”العرفاتيين”، فيما كان الحزب التقدمي الاشتراكي وأنصار رفيق الحريري يتململون سراً ويصمتون قسراً. لقد كان زمن من أطلق عليهم “الأشباح”، التابعين لأجهزة الأمن السرية.

إلى المعركة مجدداً
لم تكن تلك الأجهزة غبية. أدركت أو حدست هذا التشابك في متن “المعارضة” الناشئة بين ما هو ثقافي وسياسي وفني وأسلوب حياة وتعبير. ولذا، سرعان ما استخدمت بإفراط “تهمة اللواط” لاعتقال الشباب الناشطين حزبياً في أوساط العونيين والكتائبيين والقواتيين (في سبيل إنكار “القمع السياسي” وإلحاق “المهانة” بهم في الوقت نفسه)، فيما بدأت حملة إعلامية وسياسية وقانونية ورقابية ضد من أسمتهم “عبّاد الشيطان” أي هواة الموسيقى الصاخبة، ونسبت بعض حوادث انتحار شبان إلى أثر هذه الموسيقى. وتضافرت هذه الهستيريا السلطوية والاجتماعية مع مطاردة للكتّاب والصحافيين والناشطين البارزين، تهديداً أو تخويفاً. ففي تلك المرحلة، حين كنا نجتمع في “مونو” شلة الأصحاب ويدخل علينا سمير قصير، كانت دورية “الأشباح” لا تتأخر في اللحاق به. هؤلاء كانوا صحبتنا “الاضطرارية” في مقهى الويمبي والمودكا أيضاً، وفي كل حرم جامعي.

ذاك الجيل الذي تجاوز خطوط التماس واجتمع في ليل الروك والكحول حاملاً تجربته الطلابية وبراءته الأيديولوجية، صاغ المدينة كما يحلو له، وإن في بؤر محدودة محاصرة. وهو الذي شكل تالياً النواة الحقيقية لمجتمع وحركة شباط – آذار 2005. كانوا هم “الطليعة” في انتفاضة الاستقلال.

بهذا المعنى كله وبعده، كشف منع حفل فرقة “مشروع ليلى” عن تجدد الصدام بين مجتمع الطوائف والسلطة والنظام (كمنظومة أخلاقية سياسية) من جهة، ومجتمع آخر عابر لكل هذه المنظومة ومتمرد عليها من جهة أخرى. وليس صدفة أن تعاود التهم ذاتها: سماع الروك عبادة الشيطان، المثلية (وبرطانتهم: اللواط) تدمير للمجتمع، اليسار إلحاد.. إلخ. وفي المقابل، أبدى المتضامنون مع “مشروع ليلى” انتباهاً كافياً لمعنى هذا الصدام سياسياً وثقافياً. وهم أعلنوا معركة الدفاع عن “الحرية” بمعناها المطلق.. كجيل جديد يستكمل ما لم يُنجز بعد منذ التسعينات، ويستأنفون “مونو” في بادارو والجميزة ومار مخايل والحمرا.. وحتى في جبيل نفسها، معارضة ضد “وصاية” من نوع جديد، وصاية نخبة سياسية موغلة في الفساد، وسلطة رجال دين هوايتهم الأولى اضطهاد النساء ودأبهم اليومي بث سموم الطائفية، ومجتمع أهلي غارق في أخلاق النفاق والتكاذب وتبادل الضغائن، وأهل “القوة” بفائض سلاحهم الأعداء الأشرس لكل موسيقى وللديموقراطية والحرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*