الرئيسية / home slide / السياج كافٍ، قال المستر “دي”

السياج كافٍ، قال المستر “دي”

25-01-2023 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

كشك للجرائد (أ ف ب)

كشك للجرائد (أ ف ب)

عندما يصل مراسل الى دولة ما، يعتمد بالدرجة الأولى في عمله على قراءة صحفها، منها يستقي أهم الأخبار، ويعرف أهم الشواغل السياسية والقضايا الشاغلة.

هناك دول بلا أحداث. ظلت عناوين الصفحة الأولى في “#ذي سيتزن” طوال أسبوع تكتب عن محاولة إنقاذ سنجاب مسكين أوقع نفسه في فخ. وقد ورد ذكر السنجاب مرّة واحدة في ديوان شوقي أبي شقرا الجميل “سنجاب يقع من البرج”.

الدول الهانئة عدوّة المراسلين. تقيم في برن ثلاثين عاماً ولا تحظى بثلاثة أخبار مثيرة، وتصل الى كابول فتقدّم لك خلال ثلاث ساعات عشر مشانق، وثلاثة انفجارات، وقراراً بمنع المرأة من التعلم. لذلك من الأفضل لك إذا أردت العيش في بلد لائق بالحياة، أن تكون مراسلاً متسكّعاً “#flaneur” ، تكتب عن المسرح ومعارض “القصر الكبير” وكيف رأيت أنجلينا جولي تمارس رياضة المشي في غابة بولونيا.

عندما بدأ ابني العمل الصحافي في لندن، سألنا رئيسة تحرير “#الفايننشال تايمز” وعزيزتنا رلى عباس خلف، عن الفرص المتاحة. فقالت بهدوئها المطلق كالعادة: إن البادئين يُرسلون غالباً إلى مواقع صعبة، كالصومال، بسبب قدرتهم على الاحتمال. ولما نقلت الجواب الى ابني، قال إنه يفضل مهنة أخرى.

نجح المراسلون الكبار في الحروب والثورات والنوازل المشابهة. وأصبحتُ للمرة الأولى على هذه الصفحة في أيار 1968 عندما قرر طلاب باريس إحراق المدينة التي ضنّ جنرال هتلر بإحراقها. وصدف أنني كنت هناك، مما جعل منّي مراسلاً ثورياً رغماً عنّي، مثل طبيب موليير.

كانت تلك تجربة مهنية فائقة بالنسبة إليّ، وتجربة إنسانية رديئة في حقيقة هذا العالم، الطلاب رعاعاً، وبلهاء، يريدون طرد شارل ديغول، يتقدّمهم فرنسوا ميتران، نموذج الانتهازية ودناءات التسلق.

تقع #نيوزيلندا في الطرف الآخر من الأرض، وأبعد حتى من أوستراليا. بلد من جزيرتين كبيرتين و700 جزيرة صغيرة. ومراعٍ بلا حدود. وأبقار وأجبان. ونوم مبكر ومساكين الصحافيين، لا شيء فيها مما يشغل صحف العالم. إلى أن تغيّر كل شيء في 17 تشرين الأول (أيضاً؟) 2017، عندما أصبحت جاسيندا أردرن، 37 عاماً، أصغر رئيسة وزراء في العالم. طبعاً كان ذلك مفاجأة، لكن ليس على نيوزيلندا، التي أعطت المرأة حقوقها كاملة منذ نهايات القرن التاسع عشر.

بعد إعلانها رئيسة للوزراء، جاء يزورها موفد مجلة “فوغ”، فوجدها تعيش مع شريكها كلارك غافورد في منزل من ثلاث غرف. كانت رائحة الطلاء تملأ المكان. واعتذرت عن ذلك: لقد فرغنا، كلارك وأنا، قبل يومين فقط من طلي الجدران. يا إلهي، “هذه الرائحة لن تذهب من أنوفنا”.
سألها موفد “فوغ” إن كان المنزل آمناً بما فيه الكفاية. جواب: “لقد جاءنا الخبير الأمني في رئاسة الحكومة، المستر “دي”، وفحص المكان بدقة. وعندما أنهى سألته: مستر “دي”، كيف وجدت المنزل؟ فأجاب المستر “دي”: كل شيء على ما يرام مسز أردرن. وقد صنعتِ حسناً بإقامة هذا “السياج الخشبي حول المنزل”.

والد المسز أردرن شرطي، ووالدتها عاملة كافيتيريا في مدرسة ثانوية. وسوف تدخل التاريخ مرة ثانية عندما يقتحم إرهابي أوسترالي مسجدين في بلدة كرايست تشرش ويقتل 50 مصلّياً. تلك كانت لحظتها التاريخية الأخرى والأهم.

دعت النيوزيلنديين الى الوقوف معها. لن نسمح لأحد بمسّ وحدتنا. الوطن أهم من الطوائف والأعراف.

وضعت جاسيندا أردرن حجاباً أسود، وأعلنت الحداد العام، ووقفت الى جانب ذوي الضحايا تتلقى التعازي. لا تكون جريمة إرهابية أخرى في هذه المروج والتلال. لا مكان للإرهاب في خضرة هذه المراعي.

برغم افتقاره الى الذوق والمشاعر، اتصل بها دونالد ترامب من البيت الأبيض: هل هناك ما تستطيع أميركا القيام به، مسز أردرن؟ كان الجواب مختصراً: “أجل حضرة الرئيس. منح الحب والعطف للجاليات الإسلامية”.

من يومها أدركت جاسيندا أردرن أن التاريخ قرار لا علاقة له بالرجال والنساء. وأن البطولة عطف، لا سفّاحون. وقبل أسبوع وقفت تعلن أكثر الاستقالات شجاعة:

لم أعد قادرة على الاستمرار، ولم تعد لديّ الطاقة على تقديم المزيد من الخدمة للوطن.

مرة أخرى وضعت جنّة المراعي على صفحة التاريخ، ومنحت صحافيي العالم أجمع موضوعاً يكتبون عنه. ولم يعد موقع المراسل في ويلنغتون عملاً ثانوياً مثل تغطية الحفلات السنوية وخطب ملكة هولندا. صار الحدث يأتي من بلاد الهدوء والسكينة، وصارت الشهامة هي القاعدة.

“أنا صار لازم ودّعكن وخبّركن عني / أنا لولا منكن ما كنت بغنّي”.

تكبر الدول الصغيرة بكبارها. مسكين رئيس وزراء نيوزيلندا الجديد، سوف يعرف الى الأبد أنه الرجل الذي جاء بعد “جاسيندا”، وتعني “الجميلة”، بكل اللغات الغربية. ما أنبل النفوس العليّة. جميلة ونبيلة ابنة الشرطي وعاملة الكافيتيريا. تنحّت وهي في الثانية والأربعين بداعي أنه لم تعد لديها الطاقة على العمل. “لقد فرغ الخزّان” قالت من وراء السياج الخشبي الذي امتدحه المستر دي. لا حاجة الى أكثر من ذلك.

طوبى للشعوب الآمنة والمؤتمنة على ما أُعطيت. ما أجمل البلاد الواقعة على نهر النسيان.