السنّة والشعور الأقلّوي

لم يعد العدد ينفع الطائفة السنية في لبنان التي باتت تعيش عقدة المسيحيين والموارنة تحديدا. هي عقدة الأقليات، التي لا ترتبط حكما بالعدد وإنما بالدور. هو شعور أقلوي لم يكن يشعر به المسيحيون العرب عندما كانوا أكثر انفتاحا وأصحاب تأثير في السياسة والمال والاقتصاد، وخصوصا في الثقافة وليس في العلم فقط. ولم يكن يؤثر على الدروز يوم انخرطوا في القضايا الكبيرة. ولم يمنع الرئيس حافظ الاسد من حكم سوريا ذات الاكثرية السنية زمنا طويلا.

أمس نشب جدل حاد في البلد بين مؤيدين لخطاب الرئيس ميشال عون في ذكرى مئوية إعلان “لبنان الكبير” ومعترضين عليه. وبغض النظر عن الرد غير الديبلوماسي وغير اللائق وغير المهذب للخارجية التركية على عون، فإن الانقسام اللبناني لم يكن واقعيا وعقلانيا. المؤيدون لانتقاد عون زمن السلطنة العثمانية توزعوا على كل المذاهب، إلا السنة الذين جاهروا بعاطفة تجاه الدولة العثمانية وما اعتبروه منجزات لها في بلادنا، متناسين كل الويلات التي حلت بالبلاد والعباد والقتل والمجاعة من جراء الاحتلال العثماني. لم يكن الدفاع من منطلق وطني، أو مصلحي، أو منطقي، إنما انطلق من أسباب مذهبية محض. فتركيا، التي تعتبر نفسها وارثة السلطنة العثمانية بغير وجه حق مع تبدل الامور والاحوال، ليست المملكة العربية السعودية التي أغدقت خيراتها على اهل السنة، كما على سائر لبنان، زمنا طويلا، وليست دولة الامارات العربية المتحدة التي فتحت ذراعيها لآلاف اللبنانيين العاملين فيها، وليست الكويت صديقة لبنان على الدوام، بل جل ما فعلته أنها ألغت تأشيرة دخول اللبنانيين اليها تنشيطا لسياحتها. والدفاع عنها بهذه الطريقة لا ينطلق الا من شعور مذهبي بعيد من كل انتماء وطني.

والغريب في أمر اللبنانيين أنهم باتوا متعاطفين مع جلاديهم الى حد كبير، إذ تجد من يدافع عن النظام السوري الذي أهان حلفاءه قبل خصومه، وأذلهم للحصول على مطالبهم، ومسؤولوه في لبنان ابتزوا هؤلاء على الدوام. والبعض القليل يدافع عن الزمن الاسرائيلي وان بخجل لخوف من تهمة العمالة، وآخرون يحنّون الى الزمن الفلسطيني، وكثيرون يتمنون عودة الانتداب الفرنسي، وكأن اللبنانيين في مئوية لبنان الكبير، لم يقتنعوا بعد بنيلهم الاستقلال وبقدرتهم على الحكم الذاتي.

وبالعودة الى ما سبق، فإن الدفاع السني يستحق التوقف عنده، لانه لا يرتبط بتركيا في ذاتها، ولكن بالدور السني، إذ إن الردود عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ركزت على توجيه السهام الى احتلالات وتدخلات أخرى، آخرها السوري والإيراني، واعتبرت أن انتقاد الرئيس للحكم العثماني إنما يطال أهل السنة فقط، وهذا الشعور بالضعف وتراجع الدور، المتنامي منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مرده الحقيقي الى تبدل واقع القوى في المنطقة، وتقدم الدور الايراني على حساب دول مجلس التعاون الخليجي، وقيام حروب عربية داخلية، وتبدل سلم الاولويات، اضافة الى عوامل لبنانية داخلية منذ بدء عهد الرئيس عون. كلها أمور أثرت سلبا في الواقع السني الذي بات يحتاج الى جراحة عميقة.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*