الرئيسية / home slide / السنيورة وأزعور وشطح والحسن… وبيفاني!

السنيورة وأزعور وشطح والحسن… وبيفاني!

اتّخذ “الموقف هذا النهار” المدير العام السابق لوزارة المال ألان بيفاني مثالاً لاعتبارات عدّة. أوّلها أنّ استقالته التي قدّمها صارت نافذة، رغم تريّث مجلس الوزراء في بتّها سلباً أو إيجاباً، بحكم القانون الذي يعتبر الموظّف “الرسمي” مُستقيلاً في حال توقّفه عن العمل أسبوعين. وثانيها أنّه عُيِّن في الموقع المذكور قبل نحو 20 سنة في عهد الرئيس أميل لحّود الذي لم يكن يعرفه والذي اقترحه كان وزير المال الدكتور جورج قرم الذي ربطته به صداقة منذ أيّام دراسته في العاصمة الفرنسيّة وتقارب فكري والتقاء أفكار سياسيّة واقتناع بضرورة إنجاز إصلاح جدّي في البلاد، لا يمكن أن ينجح إلّا إذا بدأ بمواجهة الفساد المتنوِّع. وذلك كان هدف لحود على الأقل المُعلن. ويعرف اللبنانيّون أن أحلام قرم وبيفاني الصادقة في هذا المجال لم تتحقَّق لأسباب معروفة داخليّة وإقليميّة ما كان في إمكان سيّد قصر بعبدا تجاوزها. وثالثها أنّه خدم وفي الموقع نفسه مع الرئيس ميشال سليمان ثمّ الرئيس ميشال عون، كما مع الحكومات التي كانت “تُصرِّف الأعمال” قدر استطاعتها في أيّام الفراغات الرئاسيّة. علماً أن الاتجاهات السياسيّة عند هذَيْن الرئيسين كانت مُتناقضة رغم أنّ الناخبين الإقليمي والمحلّي لكلٍّ منهما كان واحداً. ويُسجّل في هذا المجال لبيفاني انضباطه وتقيُّده بالقوانين وعدم تجاوزه الصلاحيّات التي تمنحه إيّاها، كما عدم انخراطه في الاصطفافات السياسيّة المُتعارضة في البلاد، وفي تناقضات الوزراء التي تعاقبوا على حقيبة وزارة المال رغم انتماء غالبيّتهم إلى فريق سياسي وطائفي ومذهبي واحد. ويُسجَّل له ابتعاده عن الإعلام وعدم توظيفه موقعه لحماية مصالحه غير الموجودة أو لمصالح من عيَّنوه في موقعه، وحرصه على متابعة عمله ذي الهدف الإصلاحي. لكنّه كان كمن “يحفر الجبل بإبرة” كما يُقال. ورغم ذلك لم يتأفَّف، ولم يُقرِّر انتحال شخصيّة الموظَّف الكبير الفاسد ثمّ دخول نادي أصحاب المواقع الكبيرة شركاء المسؤولين والسياسيّين في “حلب” ما تبقّى من “حليب” دولة لبنان وخزينتها، وفي “تشليح” اللبنانيّين أموالهم بعد إقناعهم بأن الهدف هو حماية طوائفهم ومذاهبهم ومواقعها. وثالثها أنّه أقدم ومع عدد من المُستشارين على وضع خطّة إصلاحيّة لإنقاذ البلاد ووضعها على سكّة صحيحة بعدما أوصلها الانحلال السياسي والتمحور الطائفي – المذهبي والفساد والإنحلال الأخلاقي إلى حال قريبة جدّاً من الإفلاس. لكن العقبات التي وضعها في وجهها المُتضرِّرون منها(طبقات سياسيّة وأحزاب ورئاسات و…)، وضياع حكومة الدكتور حسّان دياب وقلّة كفاءة عدد من أعضائها رغم نيّاتهم الطيّبة، ووقوعها منذ البداية تحت سلطة الغالبيّة النيابيّة وقيادتها بل سلطة الطبقات السياسيّة المُتناحرة مع هذه الأخيرة تحقيقاً للمصالح، لكن ذلك كلّه هدَّد ولا يزال يُهدِّد الخطّة التي يتفاوض في شأنها لبنان مع صندوق النقد الدولي. علماً أنّ ذلك لا يعني أنّها “كاملة” ولا تحتاج إلى تعديل أو إضافة. ورغم ذلك لم يلجأ بيفاني إلى الإعلام إلّا بعدما قدّم استقالته بمقالة أو مقابلة غير طويلة دافع فيها عن الخطّة وليس عن نفسه. طبعاً يحزّ في نفوس اللبنانيّين طريقة طبقاتهم السياسيّة وشركائها من طبقة رجال المال والأعمال والمصارف في خوض المعارك، وهي تقوم دائماً على “نبش” تاريخ من يتصدّى لهم بغية تشويه صورته وإقصاء مواقفه وخططه أي صدقيّته. طبعاً لم يسفر “النبش” عن شيء فاتّهموا بيفاني بـ”الشيوعيّة” وبـ”اليساريّة”، وربّما تكون له أفكار تقدّميّة وذلك ليس عيباً ولا تُهمة ولا سيّما إذا لم يكن عضواً فاعلاً في حزب يرمي إلى تغيير نظام لبنان. علماً أن غالبيّة أحزاب لبنان وطوائفه تريد أن تُغيِّر هذا النظام وإن باستغلال نقاط ضعفه الكثيرة، لكنّها لم تنجح حتّى الآن لأنّ كلّاً منها يريد نظاماً يحكّمها بالطوائف والمذاهب الأخرى. وعلماً أيضاً أنّ الأنظمة التي تطمح إليها لا علاقة لها بالديموقراطيّة وحقوق الإنسان والقوانين بل بقانون الله عزّ وجلّ الذي صار عندها ثلاثة: الله مسيحي والله سُنّي والله شيعي. وعلماً أخيراً أن تطرُّق “الموقف هذا النهار” لتهمة اليسار لا ينبع من “يساريّة” كاتبه غير الموجودة. إذ أنّه كان دوماً ضدَّها كما ضدّ أي عقيدة ثمّ نظام يُقيِّدان الحريّة ويقضيان على الديموقراطيّة ويخلقان أنظمة استبداديّة تارة باسم الإيديولوجيا وطوراً باسم الأديان ومذاهبها المختلفة و”المُتناحرة”.

طبعاً يعرف اللبنانيّون أنّ بيفاني لم يرتكب “إثماً” مثل الكثيرين من أقرانه في الإدارات والمؤسَّسات عامّة لكنّهم يتساءلون: لماذا لم يتحرَّك إلّا أخيراً؟ ولماذا بقي 20 سنة في موقعه من دون أن يعرف اللبنانيّون ماذا فعل وماذا أنجز إذا كان أنجز شيئاً وأين أخفق وبماذا أصاب؟

الجواب عن هذه التساؤلات أو عن بعضها يقدّمه مُتابعون حركته وعمله من قرب. علماً أن لا علاقة شخصيّة تربط كاتب “الموقف هذا النهار” به ولا مصلحة له معه بسبب عدم وجود مصالح تستدعي “التقرُّب” منه. وهو التقاه مرّتين، الأولى قبل سنوات في غداء متوسّط الحجم في بعبدات، والثانية قبل أواخر السنة الماضية على الأرجح في عشاء عند صديق مُشترك لنا في بيروت وكان متوسِّط الحجم أيضاً. وطبعاً لم تسمح لنا طبيعة الغداء والعشاء إلّا بالسلام وببعض عبارات المُجاملة.

يُجيب هؤلاء أن بيفاني اشتغل كثيراً في الـ20 سنة التي أمضاها مديراً عاماً لوزارة المال. فمع وزير المال فؤاد السنيورة حاول إجراء محاسبة دقيقة فوُوجه بالرفض. لكنّه عمل أشياء كثيرة رفض المذكور أن يُباركها أو يقبلها أو يُسهِّلها. والرئيس الشهيد رفيق الحريري وقف في البداية إلى جانب الوزير. لكنّه لاحقاً لم يعد يُمانع في إنجاز بيفاني بعض القضايا. ووزير المال جهاد أزعور كان في حكومة السنيورة ومعه. لكنّه هادن المدير العام لأنّه لم يشأ أن يُشوِّه صورته الجيّدة في المؤسَّسات الدوليّة التي يعرفها وعمل معها، ولم يقف علانية مع عمله الإصلاحيّ والتدقيقيّ الذي كان يحاول القيام به. والوزير الشهيد الدكتور محمد شطح حصل توافق بينه وبين بيفاني. إذ كان مؤيِّداً لإجراء المحاسبة العامّة والتصحيح. لكنّ اغتياله عطَّل كُلَّ شيء. والوزيرة الحسن التي يُقدِّرها الجميع وعن حقّ لم تكن معه أبداً.

كيف كانت تجربة بيفاني مع وزير المال علي حسن خليل ممثّل “حركة أمل” في الحكومة؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb